فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 25

تُبْصِرُونَ (الزخرف/51) ، فأغرقه الله وجنوده وأجرى البحار من فوقه، فصفة العلو لا يجوز ولا يمكن لبشر أيا كان أن ينازع الله فيها فهو القائل في كتابه (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) {الروم/27} .

وكلما استشعر المؤمن هذه الحقيقة فإنه يكون مستريح النفس، هادئ البال، إذ لا يقلقه علو الظالمين، فمهما علوا في السلطان فالله تعالى هو الأعلى، ولا يرى المؤمن هؤلاء الظالمين إلا قوم سوء، فهم يصغرون أمام عينيه، فلا يستعظم ولا يُكبِّر إلا الله، قال سبحانه (لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) {النحل/60} ، ولما كان الله وليا للمؤمنين، فإنهم يستمدون منه سبحانه علوا على الظالمين، مثلما حكي القرآن لنا كيف أن المولى سبحانه قد طمأن موسى عندما مس الخوف قلبه، لما خيل إليه من سحر سحرة فرعون أن حياتهم تسعى إليه، قال سبحانه (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى) {طه 67/ 68} ، فهو الأعلى بإيمانه بالله تعالى العلي الأعلى، وهو الأعلى لأنه يحمل قضية هذا الدين، وجاء برسالة من الله العلي الأعلى، فليس ثمة محل للخوف لأن يطرأ قلبه، وعليه ألا ينسى هذه القضية التي جاء من أجلها، فإن نسي فلن يكون أعلى منهم.

و المولى سبحانه يأتي لنا بالأدلة الدامغة على علوه سبحانه، وليس أدل على ذلك من الفناء بعد الازدهار، والموت بعد العيش، إذ يبين سبحانه أنه خلق الخلق و سواه فأحسن صورته، و قدر له ما قدر من الرزق، فهداه لما يسره له [1] ، فلو تأمل الإنسان الخلق لأدرك الخالق، ولو تأمل كيفية تسوية الخلق لأعجزه ذلك عن إدراك كيف استوى ربنا على العرش، ولو تأمل قدر الله تعالى والرزق لا ننتهي إلى الإقرار لله تعالى بالربوبية، ولو تأمل هديه للخلق في شئونهم وتيسيير

(1) يحكى الزمخشري في تفسيره ج 7 ص 275: أنّ الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت، وقد ألهمها الله أنّ مسح العين بورق الرازيانج الغض يرد إليها بصرها، فربما كانت في برية بينها وبين الريف مسيرة أيام فتطوى تلك المسافة على طولها وعلى عماها حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها، فتحك بها عينيها وترجع باصرة بإذن الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت