تعالى، إنما كان تعليمه ومدارسته للقرآن في كل ليلة من رمضان على وجه الخصوص لأجل التذكرة، وهو ما يؤكد أن الأخذ بالأسباب الموصلة للعلم الشرعي من قراءة ومدارسة وتعليم مطلوب شرعا حتى مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
فقوله سبحانه (إلا ما شاء الله) وارد على ما طاله النسخ، إذ أنه سبحانه ينسخ الآية بخير منها و هو سبحانه ينْسِها نبيه صلى الله عليه وسلم، لقوله سبحانه (مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة/106) ، و في ذلك إظهار لقدرة الله تعالى و علمه سبحانه، فهو العليم بما يصلح لنا و ما ينبغي أن يثبت و ما يجب أن يمحى، فهو القائل في كتابه (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ * وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) (الرعد/38 - 40) ، فالناسخ و المنسوخ كلاهما عند الله تعالى في أم الكتاب، فهو سبحانه ينزل من القرآن ما فيه هدى سواء ثُبِّت أم مُحِي، و ذلك لأن النسخ و التبديل ليس بيد أحد إلا الله سبحانه فهو وحده المشرع الذي لا يجوز أن يشاركه في تشريعه أحد حتى لو كان نبي مرسل، قال سبحانه (وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ(النحل/101 - 102) ، يقول الشعراوي (ولو لم يكن هناك نسيان لما استطاعت فكرة أن تدخل في ذهن الإنسان؛ لأن العقل لا ينشغل إلا بقضية واحدة في بؤرة الشعور، وحتى تدخل قضية أخرى في بؤرة الشعور، لا بد أن تتزحزح القضية الأولى من بؤرة الشعور إلى حاشية الشعور) [1] ، ولذلك لم ينل النسخ ثوابت هذا الدين من عقائد وأخلاق بما يسمى بالتوحيد والتزكية، فهما دائما قضية هذا الدين، مهما تبدلت الشرائع وتغيرت.
(1) خواطر الشعراوي الآية 68 من سورة الأنعام ج 1 ص 2582