قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) {طه/115} فلو كان عنده عزمٌ لما نسي وأكل من الشجرة، كما أن نبي الله تعالى موسى نسي عندما كلم الخضر بشأن السفينة، فقال عنه النبي صلى الله عليه وسلم (فكانت الأولى من موسى نسيانا) [1] ، إذن النسيان قد يكون سببه الشيطان، وقد ينبع من قلة العزم الذي سببه الانشغال بشهوة أو معصية كما شغل آدم بالأكل من الشجرة المحرمة أو من العجلة مثل التي كانت في موسى عليه السلام.
و النبي لم ينس شيئا من القرآن إلا ذكره بعد، و قد عصمه المولى بهذه الآية - (فَلَا تَنسَى) -من نسيان شيء من القرآن في مقام التبليغ، و إن جاز أن يطرأ عليه النسيان في غير مقام التبليغ، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم ينف عن نفسه نسيان ركعة في الصلاة لما قال (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني) [2] ، وعن عائشة قالت: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ في سورة بالليل فقال صلى الله عليه وسلم (يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا) [3] ، وقد ذكر ابن حجر أن (النسيان من النبي صلى الله عليه وسلم لشيء من القرآن يكون على قسمين، أحدهما نسيانه الذي يتذكره عن قرب وذلك قائم بالطباع البشرية، وعليه يدل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث بن مسعود في السهو إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، والثاني أن يرفعه الله عن قلبه على إرادة نسخ تلاوته، وهو المشار إليه بالاستثناء في قوله تعالى(سنقرئك فلا تنسى ألا ما شاء الله) ، قال فأما القسم الأول فعارض سريع الزوال لظاهر قوله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) ، وأما الثاني فداخل في قوله تعالى (ما ننسخ من آية أو ننسها) [4] ، إذن فقوله سبحانه (فَلَا تَنسَى) هو عصمة لنبيه من النسيان في مقام التبليغ، و أمره له بالتذكر ومدارسة القرآن من قبيل الأخذ بالأسباب المشروعة لتحقيق هذه العصمة، فعن ابن عباس قال (كان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن) [5] ، فالمولى سبحانه أراد أن يجعل لنبيه من يدارسه القرآن حتى لا ينسى و خص بذلك ليال رمضان، ولاغرو أنه طوال العام كان يتلقى القرآن من الله
(1) رواه البخاري ج 1 ص 56 رقم 122
(2) رواه البخاري ج 1 ص 156 رقم 392
(3) رواه البخاري ج 4 ص 1922 رقم 4751
(4) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ج 9 ص 86
(5) رواه البخاري ج 3 ص 1177 رقم 3048