فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 25

معاشهم لآمن أنه لا إله إلا الله، وقد تأمل ذلك صاحب الظلال فجاء إلينا بطرف من هذه الحقيقة فقال (الذرة بمفردها كاملة التناسق بين كهاربها وبروتوناتها وإلكتروناتها، شأنها شأن المجموعة الشمسية في تناسق شمسها وكواكبها وتوابعها .. وهي تعرف طريقها وتؤدي مثلها وظيفتها .. والخلية الحية المفردة كاملة الخلقة والاستعداد لأداء وظائفها كلها، شأنها شأن أرقى الخلائق الحية المركبة المعقدة، وبين الذرة المفردة والمجموعة الشمسية؛ كما بين الخلية الواحدة وأرقى الكائنات الحية، درجات من التنظيمات والتركيبات كلها في مثل هذا الكمال الخلقي، وفي مثل هذا التناسق الجماعي، وفي مثل هذا التدبير والتقدير الذي يحكمها ويصرفه) .

الله تعالى لم يخلق خلقا ليصير آلهة، ولم يخلق دنيا لتصير خالدة، ولم يسو الكون على هذا النسق والإبداع، ولم يقدر الأمور ويهدي الكائنات لتسعى إلي الدنيا سعي الطامعين المنكبين على الشهوات، فكل ما خلقه الله وأحسنه وسواه وهداه لا يغرك أيها الإنسان، إذ أن مصيره إلى الزوال، لأن الله وحده هو الأعلى فهو الباقي ودونه فان، وقد ضرب الله لنا المثال الحي من الحياة الدنيا، انظر كيف أنه سبحانه وتعالى أخرج الكلأ و العشب و الزرع و النبت، هذا المرعى الذي ترعى فيه الحيوانات و الطيور و الدواب على اختلافها، و يأكل منه الإنسان و ينعم به كل حي على هذه الأرض، ولولا النبات لعُدمت الحياة على وجه الأرض، هذا النبات و بالرغم من أهميته للحياة في هذه الدنيا، فإنه لا يلبث حتى يذبل و يموت، فيكون غثاءًا جافا هشيما بعد أن كان طريا نضرا، و يكون أحوى أسودا يابسا بعد أن كان أخضرا يانعا، وهكذا الدنيا و كل من عليها يفنى و لا يبقى إلا المولى سبحانه وتعالى القائل في كتابه (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ *وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن/28) ، أليس الله تعالى هو الأعلى؟ نعم هو بحق كذلك، وكل ما خلق يشهد بذلك، فلا تجد عاليا في هذه الدنيا إلا وقد نزل، ولا تجد عزيزا إلا وقد ذل، و كفى بالموت قاصما لظهور الجبابرة، و كفى بسكرته شدة توهن وتذل العباد، فلم ولن يسلم منها بر ولا فاجر، حتى النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسلم من سكرة الموت، فذلك حتم لازم، ولابد منه حتى يلحق بالرفيق الأعلى، تحكي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت