* ويتوصَّل المؤلف بعد استقراء للتاريخ والواقع، إلى أن التقدم (الحضارة) هو بالضرورة ضد الإنسان (الثقافة) .. وأخذ في عرض العديد من الإحصائيات والدراسات العلمية التي تؤكِّد تلك الحقيقة، ومنها:"في المؤتمر الدولي السابع لعلماء الجريمة الذي انعقد في بلجراد (سبتمبر 1973) ، كان هناك إجماع في الرأي على أن الوقت الراهن يتميز بالتزايد المذهل للجريمة في جميع البلاد، وقد أظهر البحث الذي قام به عالم الطب النفسي السوفييتي (هُداكوف) توسعًا مخيفًا في تعاطي الخمور، خصوصًا في الدول المتحضرة بعد الحرب العالمية الثانية."
أصبحت مشكلة إدمان الكحول في هذا القرن مشكلة الأغنياء والدول المتقدمة، فإذا كان الكحول والمخدرات ملاذًا، فأي ملاذ هذا الذي يتطلع إليه الأغنياء؟ من أي شيء يهربون؟ لقد اعتدنا في الماضي أن نربط بين الإدمان والفقر والتخلُّف، وكان عندنا أمل في مستقبل أفضل، ولكن المأزق الآن مأزق شامل؛ حيث يقول خبير سويدي:"لأسباب لا نستطيع تحديدها أو تسميتها، نجد أن أعراض هذه الأمراض الاجتماعية يُعبر عنها في السويد بصراحة أكثر من أي دولة أخرى"، ولمواجهة حقيقة أن هناك واحدًا من كل عشرة من السويديين هو مدمن للكحول، فرضت الحكومة السويدية زيادات مُتتابعة وكبيرة من الضرائب على الكحول، ولكن بدون أثر يُذكر ... أما الغزو البشع للأدب الإباحي فمن المؤكد أن له الجذور نفسها، فأكثر الدول تحضرًا - مثل فرنسا والدانمارك وألمانيا الغربية - تحتل المركز الأول في هذا المجال .." [1] ."
* ويُحاول بيجوفيتش تحليل هذه الظاهرة وتفسيرها، نقلًا عن الطبيب النفسي الشهير البروفسور"بلانشارد"، فيؤكد:"إن الأيديولوجية المسيطرة تكبت الشخصية أكثر وأكثر؛ فهي توجه الإنسان لحياة آلية وفقًا لخطة (نوم - قطار - عمل) ، وهي خطة تمنح مستوى معينًا من المعيشة، ولكنها تحرم الإنسان من الخبرة والإثارة الحقيقيين، كل شيء مجهز سابقًا، حتى الإجازات منظَّمة ومخطَّطة، وصاحب الشأن لا يستطيع أن يغير أي شيء، ولهذا السبب يحتاج معظم الناس غريزيًّا إلى الهرب من أنفسهم ليجربوا أنواعًا من الإثارة الرخيصة، وتجد هذه الحاجة إشباعها في الأفلام الإباحية" [2] .
أما"آرثر ميللر"، فيقول:"إنني أعتقد أن المشكلة في وضعها الراهن هي نتاج التكنولوجيا التي دمرت الإنسان كقيمة في ذاته، وباختصار: لقد اندثرت الروح وتلاشت، ربما طردتها من الأرض"
(1) (ص: 127، 128) ، بتصرف.
(2) (ص: 129) .