على أن ما أذيقت هذه القرية المذكورة في (سورة النحل) من لباس الجوع أذيقه أهل مكة حتى أكلوا العظام وصار الرجل منهم يتخيل له مثل الدخان من شدة الجوع، وهذا التفسير من ابن مسعود - رضي الله عنه - له حكم الرفع لما تقرر في علم الحديث: من أن تفسير الصحابي المتعلق بسبب النزول له حكم الرفع، كما أشار له صاحب طلعة الأنوار بقوله:
تفسير صاحب له تعلق بالسبب الرفع له تحقق
وكما هو معروف عند أهل العلم» [1] .
أثر التفسير في بناء الشخصية واتزانها [2]
لما كان التأثير يتم بمقدار عظمة المؤثر ظهر تأثير تفسير القرآن في بناء الإنسان وشخصيته قويًا وكاملًا، ويصعب علينا حصر جميع جوانب التأثير في بناء شخصية الإنسان واتزانها واعتدالها، وسأقتصر على بعض الجوانب. وأقول: إن الاشتغال بفهم القرآن وتفسيره والتفقه فيه يرقق إحساس الطالب ويقوي شعوره، وينمي فيه حب الآخرين؛ بحيث يجعله يتألم لألمهم ويفرح لفرحهم، ويسعد لسعادتهم.
ومن مبتكرات القرآن في التعبير عن هذا الإحساس أن جعل قتل الرجل لغيره قتلًا لنفسه، وجعل إخراج الرجل من داره إخراجًا لنفسه، وجعل ظن السوء بغيره ظنًا بنفسه، وجعل لمز غيره لمزًا لنفسه، وجعل السلام على غيره سلامًا على نفسه، وكل ذلك أراده القرآن في تعبيراته.
قال تعالى في سياق أخبار بني إسرائيل: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ} [البقرة: 84 - 85] . فجعل دم كل فرد من أفرادهم كأنه دم الآخر عينه حتى إذا سفكه كان كأنه بخع نفسه وانتحر ذاته.
قال القرطبي: (ولما كانت ملتهم واحدة وأمرهم واحدًا وكانوا كالشخص الواحد جعل قتل بعضهم بعضًا وإخراج بعضهم بعضًا قتلًا لأنفسهم ونفيًا لها) [3] .
(1) (أضواء البيان 1/ 340 ـ 342)
(2) أحمد بن أحمد شرشال مجلة البيان
(3) الجامع للقرطبي، 2/ 19.