الصفحة 18 من 31

قال الشيخ ابن عاشور: (وليس المراد النهي عن أن يسفك الإنسان دم نفسه، أو يخرج نفسه من داره؛ لأن مثل هذا مما يزع المرء عنه وازعه الطبعي .. وإنما المراد أن لا يسفك أحد دم غيره ولا يخرج غيره من داره) [1] .

ومثل هذا السياق قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [البقرة: 54] . ومعناه: فليقتل بعضكم بعضًا بأن يقتل من لم يعبد العجل عابديه؛ فإن قتل المرء لأخيه كقتله نفسه.

قال القرطبي: (وأجمعوا على أنه لم يؤمر كل واحد من عبدة العجل بأن يقتل نفسه بيده) ثم نقل عن الزهري قوله: (أن يقتل من لم يعبد العجل من عبد العجل) [2] .

وقال الله تعالى في سياق هذا المعنى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [النساء: 29] أي لا يقتل بعضكم بعضًا، فجعل قتل الرجل لغيره قتلًا لنفسه، قال القرطبي: (أجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضًا، ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه) [3] .

قال الحافظ ابن كثير: (وهو الأشبه بالصواب) [4] ، قال الزمخشري: (شبّه الغير بالنفس لشدة اتصال الغير بالنفس في الأصل أو الدين، فإذا قتل المتصل به نسبًا أو دينًا فكأنما قتل نفسه) [5] وقال الحافظ ابن كثير: (إن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة) [6] .

وقد بين الله أن من قتل نفسًا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعًا وقال: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32] .

(1) التحرير والتنوير، 1/ 585.

(2) الجامع للقرطبي، 1/ 376.

(3) الجامع للقرطبي، 3/ 136.

(4) تفسير ابن كثير، 1/ 524.

(5) التحرير والتنوير، 18/ 376.

(6) تفسير ابن كثير، 1/ 129.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت