المراد بأنفسهم هنا إخوانهم في الدين والعقيدة؛ فهلاّ وقت أن سمعتم حديث الإفك هذا ظننتم بأنفسكم أي بإخوانكم وأخواتكم ظنًا حسنًا جميلًا؛ إذ لا يظن المرء بنفسه السوء، وفي هذا التعبير عن إخوانهم وأخواتهم في العقيدة بأنفسهم أسمى ألوان الدعوة إلى غرس روح المحبة والمودة والإخاء والإحساس الصادق، حتى لكأن الذي يظن السوء بغيره إنما يظنه بنفسه [1] .
قال الرّازي: (فجعل الله المؤمنين كالنفس الواحدة فيما يجري عليها من الأمور، فإذا جرى على أحدهم مكروه فكأنه جرى على جميعهم) [2] .
فهذا الأسلوب القرآني وهذا الخطاب الرباني يؤكد معنى وحدة الأمة ويحدث في النفس أثرًا وإحساسًا يبعثها على الامتثال؛ فالطالب الذي يربى على هذه المعاني وهذه الدقائق القرآنية، لا شك أنها تؤثر فيه وتغرس فيه هذا الإحساس وهذا الشعور.
ومن تدبر هذا الأسلوب القرآني علم أنه لا قوام لهذه الأمة إلا بمثل هذا الشعور وهذا الإحساس، وشعور كل فرد من أفرادها بأن نفسه نفس الآخرين، ودمه دم الآخرين، وظن السوء بهم ظن بنفسه، والسلام عليهم سلام على نفسه، وعيبهم عيب لنفسه.
لا فرق في المحافظة على الروح التي تجول في بدنه والدم الذي يجري في عروقه، وبين الأرواح والدماء التي يحيا بها إخوانه: {الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء: 1] . وقال -صلى الله عليه وسلم-: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [3] . وكل هذه المعاني وإن كانت كامنة في القرآن فإن التفسير يكشفها ويجليها.
إن الاشتغال بفهم القرآن والتفقه فيه يكون سببًا للطمأنينة والسكينة ويحصل لصاحبه عز الدنيا وسعادة الآخرة؛ كما أخبر بذلك المعلم الأول -صلى الله عليه وسلم-: «وما اجتمع قوم
(1) الجامع للقرطبي، 6/ 186.
(2) تفسير الرازي، 12/ 178.
(3) مسلم 4685