وقولوا بالحق حيثما كنتم، وأما الخروجُ عليهم وقتالهم فحرامٌ بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسَقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنَّة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق.
قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتبُ على ذلك من الفِتَن، وإراقة الدماء، وفساد ذات البَيْن، فتكون المفسدة في عزلِه أكثر منها في بقائه؛ (مسلم بشرح النووي ـ جـ 6 ـ صـ 470) .
روى مسلمٌ عن عوف بن مالكٍ الأشجعي، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ألا مَن وَلِيَ عليه والٍ فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فليكرَهْ ما يأتي من معصية الله، ولا ينزِعَنَّ يدًا من طاعةٍ ) )؛ (مسلم حديث 1855) .
قال الإمام أبو جعفر الطحاوي - رحمه الله: لا نرى الخروجَ على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جارُوا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتَهم مِن طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة؛ (شرح العقيدة الطحاوية جـ 2 صـ 132) .
قال الإمام أحمد بن تيمية - رحمه الله: المشهورُ مِن مذهب أهل السنَّة أنهم لا يرون الخروجَ على الأئمة، وقتالهم بالسيف، وإن كان فيهم ظلم، كما دلَّتْ على ذلك الأحاديثُ الصحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الفسادَ في القتال والفتنة أعظمُ من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتالٍ ولا فتنةٍ، فلا يدفع أعظم المفسدتين بالتزام أدناهما، ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطانٍ، إلا وكان في خروجها مِن الفساد ما هو أعظمُ مِن الفساد الذي أزالته؛ (منهاج السنَّة النبوية جـ 3 صـ 391) .
روى الشيخانِ عن ابن عباسٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( مَن كرِه من أميره شيئًا فليصبِر؛ فإنه من خرج من السلطان(أي من طاعته) شبرًا مات ميتةً جاهليةً ))؛ (البخاري ـ حديث 7053 / مسلم ـ كتاب الإمارة ـ حديث 56) .
قال ابن بطال - رحمه الله: في الحديث حجةٌ في ترك الخروج على السلطان، ولو جار؛ (فتح الباري ـ لابن حجر العسقلاني ـ جـ 13 ـ صـ 9) .