وكان شباط 1917 شهرا رديئا، وعمل بنظام تقنين الطعام .. وكان القلق عاما في آذار .. وكانت صفوف المواطنين طالبة الخبز تتزايد باستمرار .. وفي آذار امتلأت الشوارع بالعاطلين عن العمل .. وكان القيصر ما يزال في الجبهة يزور الجنود.
وفي 7 آذار، نظم قادة المنشفيك اليهود تظاهرة نسائية في الشوارع، احتجاجا علي النقص في الخبز.
وفي 8 آذار قامت النساء بتظاهرتهنّ الكبرى .. وبعد ذلك تدخل الثوريون .. وكانت جماعات مختارة تقوم بمتظاهرات جانبية .. وظهرت زمر الأشرار هنا وهناك، تنشد الأناشيد الثورية وترفع الإعلام الحمراء .. وفي تقاطع نيفسكي بروسبكت وقنال سانت كاترين، قام رجال الشرطة والجنود بتفريق المتظاهرين بدون أي إصابة .. وبدا أن الأوامر المحددة كانت قد أعطيت للجنود لتجنب التورط مرة ثانية في حادثة مماثلة لحادثة يوم الأحد الدامي عام 1905.
في التاسع من آذار امتلأت المنطقة بين نيفسكي بروسبكت وسانت كاترين حتى محطة نيقولاي بالجماهير الحاشدة، التي أصبحت أكثر شجاعة تحت تحريضات مثيري الفتن والمشاعر .. وتولّت خياله القوزاق تنظيف الشارع .. ولم يستعمل الخيالة إلا باطن سيوفهم، ولم تستعمل الأسلحة النارية أبدا .. وأغاظ هذا التسامح الزعماء الثوريين، الذين أصدروا تعليماتهم للمحرضين بزيادة جهودهم، لإحداث مواجهة مباشرة بين الشعب وبين الشرطة والجنود .. وفي الليل ركب الثوريون مدافعهم الرشاشة في مواضع خفية من المدينة.
وفي آذار، حدثت حادثة مؤسفة .. فقد احتشد جمهور غفير أمام محطة نيقولاي .. وحوالي الساعة الثانية بعد الظهر، مرت في تلك الساحة عربة فيها رجل مغطي بالفرو لحمايته من البرد القارس .. وكان الرجل عديم الصبر، فأمر سائقه بالمرور بين الناس .. وكان هذا خطأ منه في الحكم علي أعصاب المحتشدين.
سحب الرجل من عربته، وانهال الناس عليه ضربا .. وعندما استطاع الوقوف علي قدميه، جر نفسه إلي عربة متوقفة في الشارع، فلحقه قسم من الجمهور، حيث ضربة أحدهم بقضيب من الحديد علي أم رأسه .. وأثار هذا العمل شهوة الدماء عند الجمهور، فاندفعوا عبر شارع نيفسكي يحطمون النوافذ ويثيرون الشعب .. وبدأت المعارك، وعمت الفوضى .. وكان القادة الثوريون بحسب الخطط الموضوعة، يطلقون النار علي الجماهير من أماكنهم السرية .. وهاج الرعاع، وهاجموا الشرطة، متهمين إياها بالبدء في إطلاق النار عليهم، وذبحوا شرطيا مقابل كل رجل