فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 248

وأسبابها. وهي تصل غايتها إذا تمكنت من طرح تساؤلات حول ما تتضمنه من ثغرات تشكل منطلقة لأبحاث ميدانية أكثر تحديدا.

الحديث عن العقلية المتخلفة يتضمن مرحلتين، الأولى رصد الملامح والخصائص الأساسية، أما الثانية فهي محاولة بحث الأسباب والقوى المولدة لهذه العقلية، التي تغذيها وتعمل على استمرارها.

اولا: الخصائص الذهنية للتخلف

الملامح الذهنية للتخلف متعددة ومتنوعة. قابلة للانتظام في موضوعات أساسية، وأخرى متفرعة عنها تبعا للمنظور الذي يتخذه الباحث. ونحن لا يسعنا أن نكتفي بمجرد سرد هذه الملامح وتوضيح كل منها، بل لا بد من تبيان الرابطة بينها، ما أمكن، من خلال تصنيف يبدو لنا أكثر منطقية وواقعية من سواه: هناك من ناحية خصائص ذهنية منهجية، ومن الناحية الأخرى خصائص ذهنية انفعالية. ترتبط الأولى باضطراب منهجية التفكير، وتصور التفكير الجدلي. أما الثانية فتختص بتبيان تدخل العوامل الذاتية والعقلانية في النظرة إلى الوجود. هذه النظرة تختلف في البلدان المتقدمة عنها في البلدان النامية. فبينما الأولى تسير نحو مزيد من التجرد من الانفعال وتنحو نحو الموضوعية، نرى الثانية ما زالت أسيرة الانفعال والذاتية والغيبية، وخصوصا أسيرة نظام القهر (التسلط والرضوخ) ، الذي يحكم الوجود المنخلف. على أن تقسيمة كهذا لا يعني انفصالا على مستوى الواقع والممارسة. فالعقلية المتخلفة هي جزء من ظاهرة كلية. هي الوجود المتخلف الذي يتصف بالدينامية والتماسك الداخلي.

وهي الأكثر ألفة بين الناس حين الحديث عن التخلف من الناحية العقلية. وتتلخص في أمرين أساسيين: اضطراب منهجية التفكير من ناحية، وقصور الفكر الجدلي من ناحية ثانية، ويتلخص الخلل في الحالتين بصعوبة السيطرة الذهنية على الواقع بكل تفصحاته. هناك عجز عند الإنسان المتخلف (المقهور خصوصة) إزاء ظواهر الطبيعة والحياة والعلاقات، تجعله راضخة مستسلمة تجاه ما يبدو عليها من غموض وتداخل. تبدو له ظواهر الحياة والمجتمع أقوى من طاقته على الاستيعاب. ذلك أمر مرتبط بعقدة النقص التي ناقشناها في الفصل السابق. وهو لذلك يتوسل وسائل سحرية أو خرافية لسد النقص هذا من وجهة نظر التحليل النفسي يأخذ الأمر على المستوى اللاواعي طابع الخصاء الذهني،1 الذي يميز بعض

(1) الخصاء الذهني Castration mentale.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت