فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 248

وبقدر تفاقم الخطر الخارجي، وبقدر تعاظم الإحساس بالتهديد للذات والمصير، بميل الإنسان إلى الذوبان في الجماعة. ذلك أحد قوانين الطبيعة، كلما ازداد الشعور بالقوة عند الكائن الحي، نراه يميل إلى الفردية والاستقلال. وعلى العكس نجد الكائنات المهددة بيولوجية تميل إلى التجمع بمقدار التهديد الذي تتعرض له من آفات الطبيعة، أو من الكائنات العدوة تعوض كثرة العدد عن ضعف الفرد. الأمثلة على هذه الظاهرة في العالم الحيواني أكثر من أن تحصى، وأوضح من أن تحتاج إلى برهان.

على المستوى الإنساني نجد نماذج مختلفة لهذه الظاهرة، أشهرها الجماعات المغلقة والأسر الكبيرة التملكية، ومن الأمثال الرمزية في هذا الصدد، التفاعل والتواصل الفمي. وقفة قصيرة عند كل منها توضح بيسر هذه الأواليات الدفاعية. ولا بد قبل هذا من التذكير بأننا نعالج ونحلل ظواهر اجتماعية أساسا، لها وظيفة نفسية دون أن تكون وليدة الحاجة إلى تلبية هذه الوظيفة. فالعلاقات الدعجبة على مستوى الجماعة (الجماعات المغلقة) ، والأسر العريضة التملكية، وكذلك التفاعل والتواصل الفمي، هي جميع نتاج البنية الاجتماعية، بما تتصف به من خصائص تاريخية تطورية، ونظم إنتاج وتوزيع وخدمات وعلاقات. إنه لا يخطر ببالنا مطلقا أن نرد الظواهر والأنظمة والمؤسسات الاجتماعية في نشاتها وديناميتها، إلى مجرد تعبيرات نفسية، فهذه لا تشكل سوي جوانب منها، ولا يمكن بحال من الأحوال أن تستوعبها. وهي تخضع في الأساس إلى منهجية التفسير الاجتماعي. ولكنها ليست مطلقة اجتماعية محضة، لأنه ليس هناك، في رأينا، ظاهرة اجتماعية محضة، كما لا يوجد بالمقابل

ظاهرة نفسية صافية، الإمبريالية الاجتماعية، كمثيلتها النفسية، في منهجية البحث الإنساني، قد ولى عهدها، وأفل نجمها، وما ننظر فيه هنا إذا ليس تفسير هذه الظواهر، وهو اجتماعي أساسا، بل الوظائف النفسية لها. وهي هامة بدورها نظرا لما تلبيه من حاجات تنبع من الشرط الوجودي للإنسان الذي تحدده بنية المجتمع. هذه البنية بما لها من مؤسسات ونظم وما تتصف به من شبكة علاقات، تولد حاجات نفسية معينة من ناحية، وتؤمن لها بعض شبل الإشباع بما تتضمنه من حلول، من ناحية ثانية.

الجماعات المغلقة من الظواهر التي حللها جيدة علم النفس الاجتماعي. إنها وليدة الإحساس بالتهديد الخارجي، أكان مصدره بشرية أم طبيعية. ينقسم العالم في هذه الحالة إلى عالمين متناقضين تماما: الخارج والداخل. أما الخارج فهو العدو ومصدر الخطر والشر، العلاقة معه عدائية اضطهادية، والموقف منه إما انسحابي تجنبي أو تهجمي تدميري. أما الداخل فهو الخير كله، وهو مصدر الأمن والشعور بالانتماء، مصدر الهوية الذاتية، وهو بالتالي المرجع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت