فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 248

الفصل السادس

التماهي بالمتسلط

التماهي بالمتسلط يشكل أحد المظاهر البازرة في سعي الإنسان المقهور لحل مازنه الوجودي والتخفف من انعدام الشعور بالأمن، والتبخيس الذاتي الذي يلحق به من جراء وضعية الرضوخ. إنه كحل عبارة عن هروب من الذات وتنكر لها، وهروب من الجماعة وتنكر للانتماء إليها، من خلال التشبه بالمتسلط وتمثل عدوانيته وطغيانه ونمط حياته وقيمه المعيشية. إنه استلاب الإنسان المقهور الذي يهرب من عالمه كي يذوب في عالم المتسلط ونظامه آملا في الخلاص.

تشيع هذه الظاهرة بكثرة في البلدان النامية، متخذة العديد من الأوجه والأشكال، وشاملة قطاعات واسعة من الظواهر المعيشية والتوجيهات الوجودية، كي تصل في بعض الأحيان حد الاستلاب الكلي، حد التنكر التام للوضعية الذاتية والذوبان في عالم المتسلط. والتماهي بالمعتدي هو من أقوى عوامل مقاومة التغيير، وعرقلة التحرر الوطني والاجتماعي، خصوصا عندما يتخذ شكل التماهي بقيم المتسلط وتبني مثله العليا. وهو كذلك لأنه ينمي عند الإنسان المقهور وهم التحرر من خلال التنكر للمشكلة الذاتية والجماعية، ومن خلال التمسك بمظاهر خادعة يعتقد فيها اقترابا من نماذج الوجاهة السائدة.

تطغى ظاهرة التماهي بالعندي خصوصا في مرحلة الرضوخ للمتسلط المحلي والأجنبي، حين يحس الإنسان المقهور بوطأة وضعه وعجزه عن تغيير علاقة القهر، ولكنها تتغلغل في مختلف مظاهر الحياة والسلوك بشكل لا واع، مما يجعلها تفلت من محاولات التغيير. وهي تشكل على ذلك الوجه المضاد لعملية مقاومة المتسلط من خلال الانكفاء على الذات، والاحتماء بالجماعة، بمعاييرها وتراثها. ومن الضروري قبل الخوض في تفاصيل هذه العملية التوقف لحظة لتحديد أمرين اثنين هما في أساس التسمية التي أطلقناها: التماهي، والتماهي بالمعتدي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت