فهرس الكتاب

الصفحة 224 من 248

الدلالات الاجتماعية والنفسية للطعام معرونة، حددها علماء الدراسات الإنسانية. فالطعام والدعوة إليه والمشاركة فيه، کالهدايا وتبادلها، وسيلة للتواصل والتفاعل بين الناس. المشاركة فيه إلغاء للعدوانية وإبعاد لخطر التهديد الذي قد يأتينا من الآخر، كذلك حال الدعوة إليه. وهو يشكل لغة دون لفظية غنية جدا في قدرتها على إثارة التفاعل بين الناس. أما من الناحية النفسية فالطعام من أكثر النشاطات ارتباطا بالحب، نظرا لارتباط النشاط الفمي أثناء الرضاعة بالعلاقة الوثيقة مع الأم. الحب والحليب يمتزجان ويتبادلان الدلالة.

إلا أن الطعام يأخذ في البلدان النامية قيمة مبالغة فيها، بالنسبة لبقية أشكال النشاط الإنساني، ويحتل الكرم مكانة مرموقة لا نجد لها نظيرة في البلدان الصناعية. ويعود هذا التضخم إلى أسباب عدة تدخل في إطارها العام ضمن نطاق العلاقات الدمجية. ولكن يجب ألا ننسى قبل ذلك الإشارة إلى ظاهرة الجوع وسوء التغذية المزمنين في البلدان النامية، مما يجعل المواد الغذائية نادرة والحصول عليها، خصوصا الطعام الدسم، صعب المنال. هذه الظاهرة وحدها كفيلة بتفسير المبالغة في أهمية الطعام. ولكننا نجد هذه الأهمية بالتساوي لدى المعوزين والمحظوظين الذين لا يشكون جوعا ولا نقصا في التغذية. يحتل الطعام عند هؤلاء قيمة الدلالة على الوجاهة الاجتماعية والبحبوحة اللتين فيهما بنعمون. إنهم بحاجة إلى استعراض خيرات موائدهم الغنية بصنوف الطعام، ليدللوا على إفلاتهم من العوز والخواء وقلق الجوع. إن أثرياء العالم المتخلف بمقدار ما يسرفون في الطعام واستعراض الموائد، يدفعون عن أنفسهم قلق العوز، قلق القلة الذي يشتركون في المعاناة منه مع الفقراء، ولكنه عند المترفين قلق كامن بينما هو ظاهر صريح عند المعوزين. يظهر الخوف واضحة من الجوع خلال الأزمات حين يقبل الناس، على اختلاف مستوياتهم، على التخزين بشكل مفرط لا تبرره الظروف الموضوعية مطلقة، وكأن كلا منهم في إسرافه في استهلاك المواد الغذائية وفي تخزينها يود أن يدفع عن نفسه شح الفقر.

أما على المستوى اللاواعي، فتأخذ هذه الظروف طابع الدفاع ضد قلق بدائي جدأ يعاني منه إنسان العالم الثالث عموما، وهو قلق الهجر وقلق الخواء. فشبح العوز المادي يفجر عقدة الهجر التي تحدثنا عنها في فصل سابق. كذلك فإن تراكم العدوانية الناتجة عن الإحباطات المزمنة تفجر نفس العقدة، وتدفع بالمرء إلى الإفراط في الطعام الذي يأخذ دلالة امتلاء الجوف بالحب. هذا الأمتلاء هو وحده الكفيل بمقاومة العدوانية المتراكمة والمقموعة وإدخال شيء من التوازن إلى الحياة النفسية. فالشره، كما هو معروف عند الأطفال، هو دفاع باجتباف الطعام - الحب، ضد قلق الخواء وما يصحبه من تأزم العدوانية التي تهدد بالارتداد على الذات وتدميرها، أو بالتوجه إلى الخارج وتدميره. وهنا تتلاقى الدلالة النفسية اللاواعية مع الدلالة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت