فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 248

وأذى المتسلط. كما يجد فيه ضمانة للغد وللذرية من خلال نظام خاص من المشاركة والتعاضد.

أما وسيلة الحماية الثالثة التي تشيع في موقع الانكفاء على الذات، فهي السلوك الاتكالي تجاه الولي (الملاذ) أو الزعيم المنقذ، في حالة من التبعية الطفلية لرموز قوة حامية تذود عنه الغوائل من كل نوع من خلال هذه الوسائل التمسك بالتقليد والماضي المجيد، الذوبان في الجماعة، وعلاقة الاتكال) يتمكن الإنسان المقهور، خلال مرحلة الرضوخ، من إدخال شيء من التوازن إلى وجوده، بإبعاد شبح القلق الذي يلفه والاحتماء من التهديدات المتنوعة التي تزرع مسيرة حياته. ولا بد لنا، بالتالي، من وقفة عند كل منها.

اولا: التمسك بالتقليد والرجوع إلى الماضي المجيد(السلفية)

الإنسان المتخلف کالمجتمع المتخلف سلفي أساسا. يتوجه نحو الماضي ويتمسك بالتقاليد والأعراف بدل التصدي للحاضر والتطلع إلى المستقبل. وتزداد السلفية شدة وبروزة بمقدار تخلف المجتمع، وبشكل يتناسب طرديا مع درجة القهر التي تمارس على الإنسان فيه. وتترسخ السلفية من الناحية الذاتية بمقدار الشعور بالعجز عن مجابهة تحديات الطبيعة والمتسلطين، على اختلاف فئاتهم ومراتبهم. وهكذا فإذا كان بعض علماء الاجتماع، يعتبرونها من الخصائص الأساسية للتخلف الاجتماعي، وإذا ذهب بعضهم الآخر إلى حد القول بأن التخلف هو أساسأ تحكم السلفية في حركة المجتمع، فإنها تجد لها تعزيزة وتوكيدا لدى الإنسان المقهور الذي يتمسك بها، فهي من هذه الناحية ليست فقط خاصة البنائية اجتماعية، بل في الوقت نفسه أو الية دفاعية نفسية، ففي حين تشكل اجتماعية، موجها للسلوك، وقانونا يضبطه، نرى الإنسان المقهور، من الناحية النفسية، يتخذها معيارا لحياته ونظرته إلى الوجود. وهكذا يتلاقى ويتضافر الاجتماعي والذاتي على الدوام.

تشيع السلفية بشقيها (الرضوخ للتقاليد والأعراف، والاحتماء بالماضي وأمجاده) ، من الناحية النفسية، بمقدار درجة القهر التي تمارس على إنسان العالم المتخلف، وبمقدار إحساسه بالعجز والضعف والغلبة على أمره إزاء غوائل الطبيعة وعنت المتسلطين. وهي لذلك أوالية دفاعية إزاء تحديات لا قبل له بها، نشل مبادراته في الحاضر وتسد أمامه آفاق الخلاص المستقبل. هذه الوظيفة الدفاعية قد لا تبدو على السطح بشكل واضح في فترات السكون الاجتماعي، وبالتالي قد يبدو من المستغرب لأول وهلة القول بوظيفة كهذه. ولكن عندما يتعرض إنسان العالم الثالث لغزو متسلط خارجي يرمي بكل ثقله للسيطرة عليه، وعندما يعيش هذا الغزو كقوة جارفة لا قبل له بمجابهتها وإيقاف اجتياحها لأرضه وكيانه وتراثه ورزقه، تبرز السلفية بوضوح كوسيلة حماية من خلال الانكفاء على الذات، والرجوع إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت