فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 248

غده، ولا أين ستستقر به الأمور، واقفة مما يلم به موقف المتفرج.

إلا أن هذه الحالة تمثل رد الفعل الأقصى، إنها تشكل آخر مراحل الفشل والقهر، ولا يصل إليها إلا القلة القليلة من الناس. أما غالبيتهم فتدافع عن نفسها إزاء تحديات الطبيعة والمتسلط التي لا قبل لها بمجابهتها، من خلال الانكفاء على الذات. وهو بضم حرکتين منممنين لبعضهما البعض.

في الحركة الأولى بدير الإنسان المقهور ظهره للمتسلط. يبتعد عنه ويقطع الصلة به. يغذي مشاعر عداء باطنية تجاهه تعزز ميله إلى تجنبه وتجنب رموزه وادواته, وتتضخم عنده مشاعر الفرقة والاختلاف اللذين يغذيهما الخوف بالإضافة إلى العدوانية الباطنية علاقة الخوف والعدوان، لا تبعده عن المتسلط فحسب، بل عن كل ما يمثله من نمط حياة وقيم وأدوات الشرطة، المحاكم، والقضاء الإدارة، إلخ ... ). العلاقة هي من نوع الشك والحذر والحيطة من الأذى الذي قد يلحقه به المتسلط وادواته. إنه يتقي الشر بابتعاده عن الاحتكاك به، لأنه يعيش العلاقة معه كتهديد دائم له ولذويه. والواقع أن هذه العلاقة تحمل قدرة متفاوتة من التهديد والإرغام والاعتداء المادي والمعنوي. وهكذا يتجنب الإنسان المقهور كل ما يمكن أن يعرضه للخطر، ومن هنا الابتهال في أن لا يتعرض للتجارب، أن لا يقع في يد الحاكم والحكومة وأدواتهما، وهو كي لا يتعرض للأذى، لا يتجنب العلاقة المباشرة فحسب، بل يتهرب من المشاركة في كل ما هو عام. إنه يقف موقف المتفرج العاجز أو الشامت، لا يستجيب لنداء ولا ينخرط في نشاط ولا يساعد فيما قد يرتد على المجموع بشيء من الخير، قد يكون في ذلك تفسير للسلبية والفتور اللذين يميزان جماهير العالم الثالث المقهورة، حتى حين يأتي من يحاول تحريكها والعمل لمصلحنها. فلقد تأصل الشك والحذر والخوف من التعرض للأذى عندها نتيجة لتجاربها المؤلمة مع المتسلط، كما تأصلت عندها روح الهزيمة إزاء قوي لا قبل لها بها.

ولا يقتصر الأمر على التجنب والحذر، بل يتعداهما کي بأخذ شكل الرفض النشط القيمه ورموزه وأدواته وأسلوب حياته. رفض يقوم على أساس من الاختلاف الجذري بين عالمين متعارضين ومتناقضين، ويشكل الحركة الثانية التي تتمم الأولى. ويصل هذا الرفض حتى ننعزز قدرته الدفاعية إلى حد التمسك الشديد بالجماعة وتراثها خصوصا في مجابهة المتسلط الخارجي المستعمر)، وبذلك تتدعم التقاليد وتقوي شوكة دعوة العودة إلى الماضي

العريق.

يضاف إلى هذه الدعوة ميل للذوبان في الجماعة المرجعية، لدرجة تزول معها الفردية بشكل شبه كامل. ويجد الإنسان المقهور في هذا الذوبان حماية له، وتأمين ضد أخطار الطبيعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت