له لايرى خيراف بها، بل إن في هذه الحالة الإنسان المقهور
بأحكام المتسلط، التماهي بعدوانه، والتماهي بأسلوبه الحياتي ومثله العليا وقيمه. من الواضح أن الشكلين الأولين يقومان على خشبة المتسلط ورهبة جانبه، وبالتالي يهدفان إلى دره خطره أو التنكر لما يثيره هذا الخطر من قلق ذاتي. أما الشكل الأخير فيقوم على الإعجاب والرغبة في التقرب من نمطه الوجودي، مع ما يتضمنه ذلك من تنكر للجماعة الأصلية، فبمها ومعاييرها.
يقوم الإنسان المقهور، في عملية التماهي بأحكام المتسلط، باجتباف عدوانيته وتوجيهها إلى الذات على شكل مشاعر ذنب ودونية وتبخيس للقيمة الذاتية. إنه ينخرط في عملية حط من قيمته، وقيمة الجماعة الأصلية التي ينتمي إليها. وبقدر ما يذهب بعيدة في هذا الاتجاه، فإنه يعلي من شأن المتسلط ويبالغ في اعتباره وفي تثمين كل ما يمت إليه بصلة ان تشيع أوالية التماهي بأحكام المتسلط خلال مرحلة الرضوخ وتجعل التسلط ممكنة بل يكاد يبدو طبيعية، تبدو الهوة ساحقة بين المتسلط والإنسان المقهور. وبالتالي فمن حق الأول أن يسود نظرا لتفوقه. يعاني الإنسان في هذه الحالة من مازم وجودي حاد يتخذ شكل رفض الذات وعدم الاعتراف بها، بل إدانتها على فشلها. وينطلق المرء في مجموعة أحكام سلبية، تجعله لا يرى خبرة أو عزة في ذاته، إنها مصدر التقصير، ومجمع العيب وموضع الهوان. وصب الحقد على الذات لعجزها وفشلها في التصدي للمتسلط أو مجابهة قانون الطبيعة. يتغذى من مشاعر ذنب شديدة ترافقها بالضرورة ميول لتدمير الذات، ويسير الأمر تدريجيا في اتجاه الانفصام بين الذات الحقيقية وبين السلطة الداخلية (الأنا الأعلى) التي تتشدد في الحساب. يتماهى المرء كلية مع هذه السلطة الداخلية ضد ذاته حتى يصل حد التنكر والرفض الكلي لها. هذه الازدواجية الداخلية تجعله يشتط في أحكامه وفي تبخيسه لذاته. وبالطبع لا بد لهذا التنكر وتلك الازدواجية من أن يعمما على الموقف من الجماعة. إنه لا يحترم أمثاله ولا يعتز بالروابط بينه وبينهم، ويكاد يخجل من الاعتراف بالانتماء إليهم. وانطلاقا من هذه الوضعية، ينخرط في حرب عشواء على الجماعة مكدسة الأدلة من ظواهر الحياة اليومية على ضعفها وعجزها وسوئها. إنها الجماعة المستكينة التي لا يرجى منها خير، والتي ستظل أبدا غارقة في المهانة والجهل والانحطاط. وبذلك يكون قد ابتدأ تدريجيا في السير على طريق التماهي بعدوان المتسلط، وتهيا للعب دوره تجاه الأشخاص الأضعف حين تسنح الفرصة.
تبلغ العلاقة مع المتسلط في هذه الحالة أشد درجات السادومازوشية: قبول التسلط والرضوخ له، في جو من الإفراط في رهبة جانب المتسلط والإعجاب به في آن معا. وينتج الإفراط هذا عن ظاهرة انشطار القيمة الإنسانية. توجه كل القيم الإيجابية (القوة والمنعة