فهرس الكتاب
الفصل الخامس
الانكفاء على الذات
الحركة الأولى التي يحاول الإنسان المقهور من خلالها تجنب ما تفرضه عليه الطبيعة من بلاء اعتباطي، ويفرضه عليه المتسلط من نهر متعنت، تأخذ اتجاه الانكفاء على الذات. وهي کاوالية دفاعية تسير في اتجاه التقوقع والانسحاب بدل مجابهة التحديات الراهنة والمستقبلية. وتشيع هذه الأوالية كثيرة في ردود فعل الإنسان تجاه مختلف حالات الفشل، الذي يصحبه إحساس داخلي بالعجز وقلة الحيلة. وتلاحظ عند الأطفال والكبار على حد سواء (الفشل في منافسة أخ أصغر أو أكبر، الفشل في الحصول على مكانة مرموقة في الصف، الفشل في انتزاع إعجاب الوالدين أو المعلم. الفشل في العلاقات العاطفية أو في المشاريع المهنية عند الكبار، الخ ... ) . في كل هذه الحالات بدير الإنسان ظهره للعالم، ينعلم أن يقمع رغبته حتى لا يشعر بآلام الإحباط، يقطع الصلة بموضوعات هذه الرغبة كي لا تثير في نفسه قلق الخواء، وما يجره من إحساس بانعدام القيمة. الطفل الذي عجز عن منافسة أخيه، يدير ظهره العلاقة معه وينسحب من المعركة منطوية على نفسه، التلميذ الذي عجز عن إثبات ذاته في الصف ينزوي متبلدة في ركنه، العاشق الفاشل يقمع جذوة الحب في نفسه، ويبخس المحبوب الذي يشكل مرآة لفشله، كي يصل إلى تبخيس قيمة الحب ذاته، والفاشل في الحصول على الجاه أو الثروة يتبنى فلسفة في الوجود عدمية أو زاهدة. يتعلم الواحد من هؤلاء أن يجد طموحاته، بأن يضع لنفسه أهدافة قريبة المنال، أو هو في الحالات القصوى يجعل من انعدام الأهداف معيارة حياتية.
يجد الإنسان المقهور من طموحاته إذا، وذلك بأن يتقبل مصيره، أو يحاول إيهام ذاته بتقبل هذا المصير. ويغرق في بؤسه الذي يتخذ عندها طابع القدر والنصيب، (كتب عليه الشقاء) اللذين ليس إلى تغييرهما من سبيل. وهو بالتالي يجد من مجالات نشاطه إلى أبعد مدى ممكن. أو يترك نفسه للظروف تسير حياته في كل اتجاه، ودون اتجاه، لا يدري كيف سيكون