فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 248

الاجتماعية للطعام، كوسيلة لإقامة الصلات وإطلاق التفاعل المتعاطف وإبعاد العدوان والاضطهاد.

والطعام وسيلة ممتازة لتدعيم العلاقات التملكية داخل الأسرة. فالأم، أداة الحب التملكي، وأنصح معبر عنه، تمتلك الزوج والأبناء من خلال امتلاك قنواتهم الهضمية، من خلال حشو معدهم. فالطعام، تقديمه كتناوله، هو على قدر المحبة. والانخراط المستسلم في العملية هو استسلام للعلاقة الدمجية في الأسرة. ولذلك نجد المرأة الأم في العالم الثالث تتخذ من الطعام (طهره وتقديمه) وسيلة فضلى لتوكيد ذاتها وبسط سيطرتها العاطفية على الأبناء. إنها تغزوهم من خلال أجوائهم، وليس هذا بمستغرب إذا عرفنا أن الأم هي أداة الدمج الأولى في المجتمع المتخلف. إنه يكاد لا يترك لها دورا آخر على مثل أهمية دور حشو الأجواف والسيطرة عليها، ولهذا فرفض تناول ما أعدته من طعام، رفض تقبل مظاهر کرمها، الفمي، هو مصدر إحباط لا يحد بالنسبة إليها، إنه رفض للقيمة المطلقة (الحب) في نظرها. وليس أدل عليه من ثورة هذه الفئة من الأمهات على النظام الغذائي (الرجيم) تلك البدعة التي يقتبسها الأبناء من الأجانب، فهي تحاول جهدها لتبطل هذا النظام وتفسده، إذ إنه في نظرها القيمة المضادة لقيمة الحب الفمي الأساسية، التي تملك القدرة على منحها والتصرف بها.

والطعام تعويض رئيسي، ويكاد يكون مع الشراب، بين الفئات التي تتعاطاه، التعويض الوحيد عن الإحباطات المتنوعة التي يعاني منها إنسان المجتمع المتخلف. أولها الإحباط العاطفي والجنسي، والعلاقة التعويضية هنا ليست بحاجة إلى تدليل. ويليها إحباط التعبير عن الذات نظرا لتفشي نظام القهر والتسلط الذي يكبح الحريات ويخنق التعبير اللفظي والحركي والسلوكي. ثم هناك الإحباط الوجودي العام الذي يعاني منه إنسان العالم النامي

انعدام الامتداد الوجودي، انحسار الاهتمامات، انحسار إمكانات تنمية الشخصية وإثراء الحياة). هذه الإحباطات جميعة تؤدي به إلى النكوص، إلى نشاط فمي ذي طابع طفلي أساسا. والنكوص إلى المستوى الفمي يرتبط مباشرة ويفود رأسا إلى استمرار الوضعية الاتكالية على الأسرة، ثم الرؤساء وكل من يملكون زمام السلطة المادية والمعنوية. وهكذا يحاصر إنسان العالم النامي من كل جانب (بالترغيب والحب التملكي، كما بالتهديد والقهر) کي يظل أداة في يد المتسلط ومثليه الذين ينتشرون في كل المؤسسات الاجتماعية، عوضا عن أن يرتقي إلى الاستقلالية والأصالة الذاتية، التي وحدها تضمن المشاركة الجماعية الفعالة.

ثالثا: الوضعية الاتكالية

الإنسان المقهور الذي لم يتمكن من التصدي لقدره ومجابهة تحدياته، يلوذ بقري تحميه ويجد نفسه في وضعية تبعية على مختلف الأصعدة. تكلمنا إلى الآن عن بعض أوجهها، خاصة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت