فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 248

تطرح علينا دراسة النفسية المتخلفة مهمة منهجية ذات وزن، إذا أردنا أن نعطي عنها صورة دينامية متماسكة تجمع شتاتها الظاهري. لدينا منهجان ديناميان يتكاملان جدلية، يغطى كل منهما وجهة أساسية من وجوهها، الأول هو المنهج الأنبنائي الذي يجمع هذا الشتات الظاهري، في شبكة متناسقة ذات معنى هي نمط الوجود المتخلف. والثاني هو المنهج التاريخي الذي بتتبع خصائص هذا الوجود الغالبة في كل مرحلة من مراحل تطوره. إذ إن النفسية المتخلفة متغيرة ومتطورة زمنية.

لا غنى لأحد المنهجين عن الآخر، كما أنه لا أسبقية لأحدهما على الآخر، ينطلق كلاهما من محور أساسي يؤلف لب الوجود المتخلف، وهو علاقة التسلط والرضوخ، علاقة السيطرة والقهر التي تجعل الإنسان المقهور المعبر الأفصح عن التخلف، من الناحية النفسية. كل الخصائص النفسية التي سنتحدث عنها هي مظاهر متنوعة لهذه العلاقة، نتاج لها، رد فعل عليها أو دفاع إزاءها. هذه العلاقة تخلق، انبنانية، نمطا من الوجود، متطورة بدرجات مختلفة السرعة تاريخية. وفي كل مرحلة تطغى على بنية هذا الوجود سمات بارزة تميزها عن غيرها من المراحل.

يعيش الإنسان المقهور في عالم من العنف المفروض. عنف يأتي من الطبيعية وغوائلها التي لا يستطيع لها ردعة، والتي تشكل تهديدا فعلية لقوته وأمنه وصحنه (الجفاف، الفياضانات، الحريق، الأمراض والأوبئة، الحروب، الآفات الزراعية، الخ ... ) ، هذا العنف يجعله يعيش في عالم الضرورة، في حالة فقدان متفاوت في قدره للسيطرة على مصيره. إنه اعتباط الطبيعة عندما تقسو دون أن يجد وسيلة لحماية ذاته، للشعور بالأمن إزاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت