فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 248

أعماقه، جاهزة للبروز أمام الصعاب.

نرى من هذا الاستعراض السريع لبعض ملامح العقلية المتخلفة مدى المعوقات التي تعاني منها هذه العقلية. ولا شك في أن هذه المعوقات تؤدي إلى ترسيخ نمط الوجود المتخلف، وتشكل بالتالي عقبات فعلية أمام عمليات التطوير، وخطط التنمية. إذ إنه كما بينا، حتى المعلومات العلمية والتقنية قد يعاد تفسيرها بشكل خرافي، كي تدخل في القوالب الذهنية المتخلفة، مما يفقدها كل فعاليتها التغييرية.

ثانيا: عوامل تخلف العقلية

كل ما عرضناه إلى الآن من ملامح العقلية المتخلفة، سواء من ناحية اضطراب منهجية الذهن، أو قصور التفكير الجدلي، أو طغيان الذاتية والانفعال والخرافة، والتي تتلخص جميعة بموقف عاجز عن السيطرة على الطبيعة والمصير، خصائص تستدعي التفسير والتعليل العلميين. ولقد أعطيت العديد من التفسيرات التي يتفاوت حظها من الصحة، أو التي تؤكد على عوامل محددة أكثر من غيرها. ولكن لا بد قبل الخوض فيها من إزالة لبس اتخذ شكل الأحكام المجحفة بحق الإنسان المتخلف، ونقصد به تلك التفسيرات المتحيزة التي قدمها بعض علماء الغرب لأسباب تخلف الذهنية، والنظرة إلى الحياة في بلدان العالم الثالث. وهي على كل حال، تفسيرات قديمة نسبية برزت مع المد الاستعماري، کتبرير علمي مزعوم الاستغلال شعوب العالم الثالث.

من هذه التفسيرات القول بالقصور التطوري لسكان هذه البلاد. فهم أناس بدائيون لم يتجاوزوا في سلم التطور المرتبة الحيوانية أو الطفلية في أحسن الأحوال. ولذلك نجد العديد من هؤلاء العلماء المزعومين، يعقدون مقارنات بين الإنسان البدائي والحيوان والطفل. كل منهم تسيطر عليه الغرائز والنزوات والانفعالات. وكل منهم يفتقر إلى العقلانية ونمو الملكات الذهنية العليا، والتجريد والمنطق والتفكير النقدي، وهو لذلك يغرق في ذاتيته وفي النظرة السحرية إلى الكون وظواهره. ومنهم من قال بالقصور العرقي، جاعلا العقلانية والقدرة على العمليات الذهنية العليا حكرا على العرق الأوروبي الأبيض. ومنهم من أرجع انتشار الخرافة وما يرافقها من قدرية واستكانة واستسلام وعجز عن التصدي إلى عوامل ثقافية ودينية الشرق الخرافي القدري الانفعالي، مقابل الغرب العقلاني المنطقي التقني).

والواقع أن كل هذه التفسيرات تفتقر إلى أبسط مقومات النظرة العلمية. إنها مجرد تحيزات وأحكام مسبقة تهدف إلى تبرير الاستغلال وتكريس التسلط. وهي في ذلك تتواطأ مع التفسيرات التي يشبعها وينشرها المتسلط الداخلي التخلف ذهنية الفئات المسحوقة وللغرض نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت