ويفرط فيهما وفي كراهية المادة بحيث يصبح المجتمع الروماني في القرون الوسطى مجتمع رهبان ونزلاء أديرة وزهاد ومرة ثانية تسيطر قضايا الروح والزهد والتقوى الصورية، وتفرق الروح الإنسانية في هذه القضايا بحيث تهتز الحياة المادية في أوروبا، وتصبح أوروبا العصور الوسطى ألعوبة في أيدي الأتراك العثمانيين والبربر، فلا تقوم بأدنى مقاومة ولا تبدر منها هزة، ولا تبدو فيها حركة مادية أو حياة إجتماعية، بل تصبح مخدرة. هذه الحالة من الغيبوبة الناتجة عن الإفراط في تقديس الزهد تخلق فجأة حركة النهضة، وحركة المثقفين نفس أهل الفكر الذين هم مجال حديثنا. ومن الطبيعي والمنطقي والتلقائي، ومن المفهوم بالمقياس الإجتماعي أن تنحو هذه الطبقة منحي يخالف منحى المجتمع، وذلك لمواجهة مجتمع القرون الوسطى المخدر الغارق في الزهد والتقوى وكراهية الدنيا والإشمئزاز من لذات الحياة وكل ما كان يجري باسم الدين وفي ظله. ويهدف إيقاظ الناس من هذه الغيبوبة، وتخليصهم من الركود الذي كان مخيمة على الحياة المادية ونبذ واقعها، أخذت طبقة أهل الفكر تدعو سكان أوروبا إلى الحياة المادية وأصالة الحياة العينية الموجودة بالفعل، وتحثهم على التفكير ملية في الحياة. لماذا؟ لأن جهاز البابا والمذهب الكاثوليكي كان يدعو كل الناس في أوروبا إلى حصر التفكير على الحياة