يتبين أن الحكومة الإسلامية دستورية، وأن الأمر فيها ليس خاصا بفرد، وإنما هو للأمة ممثلة في أولي الحل والعقد؛ لأن الله سبحانه جعل أمر المسلمين شورى بينهم ( ... ) وكذلك تضافرت الأدلة على أن الرياسة العليا في الحكومة الإسلامية ليست حقا لقريش، ولا لغير قريش) (43) .
وسار على هذا الرأي بصورة أكثر وضوحا أغلب مفكري (الجيل الثاني) للحركة الإسلامية ـ إن صح التعبير ـ من أمثال الدكتور حسن الترابي، والأستاذ راشد الغنوشي، والدكتور أحمد الريسوني وغيرهم. فتكونت من كل هؤلاء وأمثالهم مدرسة أخرى في الفكر الإسلامي المعاصر تتبنى الديمقراطية كمرادف للشورى، أو كآلية من آلياتها التقنية. فمارست نوعا من النقد للمدرسة السابقة.
ولعل التجربة السياسية المحلية التي خاضها هؤلاء، وكذا التطورات السياسية الدولية؛ كان لها أكبر الأثر في هذا التحول الذي حصل في منهج التفكير الإسلامي لدى الجيل الثاني، الذي دخل السياسة تجربة حية، وعرك آلامها وآمالها، على عكس الجيل الأول الذي بقي في حدود (النظر) ، باعتبار أن مرحلته كانت مرحلة إعداد وتنظير.
ولقد تفرغ الدكتور حسن الترابي ـ وهو الإسلامي الحقوقي، الخبير في القانون الدستوري، صاحب التجربة السودانية المشهورة ـ للتأصيل لمفهوم (الديمقراطية) باعتبارها عين الشورى الإسلامية، بل لقد ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إلى محاولة إثبات أن الديمقراطية إنما هي امتداد للشورى، هذه التي تطورت في شكل الديمقراطية بفعل الاحتكاك الحضاري، بين العالم الإسلامي والغرب (التلميذ) للتجربة الإسلامية في القرون الوسطى!
قال: (كان كل الذي عرفه التاريخ الأول من الديموقراطية المباشرة ممارسات سياسية لم يستوعبها تنظير دستوري إلا في نهاية القرون الوسطى! حيث اكتشف الفكر الأروبي قاعدة دستورية يعبر بها عن أساس نظري للديموقراطية. وأحسب أنهم إنما تلقوا تلك النظرية التأصيلية للديموقراطية