بل لقد تعدى ذلك كله - بجرأته المعهودة؛ وبناء على فساد (الحكم) كما فهمه دائما! - إلى محاولة (إصلاح) ما لا تخصص له فيه من العلوم الشرعية، وإنما هي معلومات استقاها من خلال قراءات عابرة أو كما سماها (نظرات في الفقه والتاريخ) ! قال في سياق غياب الحكم العادل والشورى: (كيف الطلب لكل ذلك؟ من يطلب؟ وممن يطلب ومع من يطلب؟ وضد من يطلب؟ أسئلة ما طرحها، وأنى له، من يردد عبارات الأجداد الداعية إلى حفظ المقاصد الخمس الضرورية: حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ النسل، حفظ المال. يردد ويفرع بعناد وتبلد، وكأن الدين حاكم سلطانه في بلاد المسلمين، و(العادات) مستقرة حيث تركها الأولون آمنة من عاديات الزمن، (والمعاملات) منتظمة على ما قرروه. تحفظ على ماذا إذن يا فقيه وتحافظ؟) (59)
ولقد علم أهل العلم بأصول الفقه ومقاصد الشريعة، أن مفهوم (الحفظ) الذي ذكره الأصوليون ليس بهذا المعنى الغربي الوافد، الذي فهمه الأستاذ عبد السلام ياسين؛ إسقاطا على موافقات الشاطبي (ت: 790 هـ) ، والذي له مدلول سياسي محض، والذي هو راجع إلى توصيف (إيديولوجي) ، وتقسيم (طبقي) (مانوي) يقسم المجتمع إلى (محافظين) و (ثوريين) . وإنما (الحفظ) في التراث الفقهي والأصولي هو بدلالة أخرى تماما! إنها الدلالة القرآنية، ذات العمق الغيبي التعبدي، والواردة في قول الله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر:9) . فكان بذلك (الحفظ) لمقاصد الشريعة؛ دالا على (الإيجاد) بمعنى التشريع والتجديد؛ كما هو دال على (الصون) . يقول أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله: (تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق. وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: أحدها أن تكون ضرورية، والثاني أن تكون حاجية، والثالث أن تكون تحسينية( ... ) والحفظ لها يكون بأمرين: أحدهما ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعتها من جانب الوجود. والثاني ما يدرأ عنها الاختلال الواقع