في المجتمع. كما أنه من الخطأ أيضا الفصل بينهما على سبيل القطيعة (الابستمولوجية) التامة!
فلا هذه إذن ولا تلك! وهذا هو وجه الصعوبة!
قبل الدخول في الأسباب، والعلل الوجودية للغو؛ لابد من تقرير حقيقة هامة، قلما انتبه إليها أحد! ربما بسبب النزعة الاتهامية التي تعمي كثيرا من الدراسات في هذا المجال. ذلك أن (الغلو في الدين) يرجع في (قابليته الوجودية) للطبيعة الوجدانية للدين أولا. ولو لم يكن الأمر كذلك لما حذر القرآن والسنة من (الغلو في الدين) . وهذه الحقيقة أحسب أنها هي المعطى الأول، الذي تتوالد فيه سائر (النفسيات) الغالية في الدين. وذلك هو ما يمكن تسميته ب:
ـ الطبيعة الوجدانية للتدين:
ذلك أن التدين في حقيقته الجوهرية تجربة وجدانية. وهو ممارسة على خط رفيع فاصل بين الحقيقة والخيال، أو بين العلم والأسطورة! فالمنطلق الأول للدين، والأساس العمودي الذي عليه يقوم، إنما هو مفهوم (الغيب) . فأركان الإيمان الستة، التي هي مقومات العقيدة الإسلامية؛ كلها إيمان بالغيب، بدءا بالإيمان بالله فملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره حلوه ومره. كل ذلك غيب. فأما الرسل والكتب؛ فحقيقة الإيمان بهما راجعة إلى الإيمان بظاهرة (الوحي) ، وهي غيب مطلق! وأما باقي الأركان فهي أوغل في الغيبية.
ومن هنا كان التدين ـ من حيث هو (إيمان) ـ يسهل ـ عند فقدان المنهج ـ أن ينجر من (الغيب) إلى (الخرافة) ! ومن (الحقيقة) إلى (الأسطورة) ! باعتبار أن الفاصل بين الأمرين ـ من حيث الشكل والظاهر ـ إنما هو الثبوت بالنقل. أما العقل فلا دخل له في الغيب، إلا من باب الإقرار بالعجز عن الإدراك!