هذا، وإن كان الغيب غيبا، والخرافة خرافة، من حيث الجوهر والواقع لكلا الأمرين. فتلك عقيدة منقولة بالتواتر، أصولها وفروعها، انطلاقا من الإيمان بالله ذاتا وصفات؛ إلى الإيمان بالبعث والحساب والجنة والنار. عقيدة غيبية نؤمن بها نحن المسلمين، بأنها كذلك هي في علم الله. نؤمن بها كما وردت. قال عز وجل: (الم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب) الآيات (البقرة:1 ـ 2)
فالمسألة إذن (إيمان) .
والإيمان إقرار وتجربة. فأما الإقرار فهو التصور الذهني الراجع إلى الاعتراف العقلي بحقائق الدين العقدية. وأما التجربة فهو الممارسة اليومية للدين على المستوى النفسي. وهو الذي ورد في الأحاديث والآثار أنه يبلى ويتجدد ويزيد وينقص؛ لأنه مرتبط بالشعور والوجدان. وهو مجال (التزكية) الدينية بالمعنى القرآني التربوي: (ونفس وما سواها فألهما فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) (الشمس:7 ـ 10) .
بل إن قول: (لا إله إلا الله) كما فصلناه في كتابنا (جمالية الدين) إنما مرجعه إلى معنى قلبي وجداني. ذلك أن شهادة أن (( لا إله إلا الله) ـ إذ يقولها العبد مستشعرا دلالتها اللطيفة ـ كلمة (قلبية) مدارها على وصف حال، والاعتراف بذوق صفات الكمال والجلال! إنها تعبير عن الخضوع الوجداني التام لله. نعم قلت: (الوجداني) ؛ لأنها ـ ببساطة ـ كذلك وردت في سياقها القرآني الأصيل.
ولو تأملت هذه العبارة في اللغة، لوجدتها تقوم على لفظين أساسين، هما مدار الإسلام كله: (الله) و (الإله) .
فأما (الله) فهو لفظ الجلال، الاسم العلم على الذات الإلهية. الاسم الجامع لكل الأسماء الحسنى والصفات الإلهية العلى. ولفظ (الله) فرد في اللغة، فلا يجمع ولا يتعدد.