عَبَد ( ... ) وقيل: أصله وِلاه فأبدل من الواو همزة، وتسميته بذلك؛ لكون كل مخلوق والها نحوه، إما بالتسخير فقط كالجمادات والحيوانات، وإما بالتسخير والإرادة كبعض الناس. ومن هذا الوجه قال بعض الحكماء: الله محبوب الأشياء كلها) (4) . و (الوله) : هو الجنون الحاصل بسبب الحب الشديد، أو الحزن الشديد. يقال: امرأة ولوه: إذا أحبت حتى جنت، أو إذا ثكلت؛ فحزنت حتى جنت! قال ابن منظور: (الوله: الحزن. وقيل هو ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد، أو الحزن، أو الخوف. والوله: ذهاب العقل لفقدان الحبيب( ... ) [و] ناقة مِيلاه: هي التي فقدت ولدها فهي تَلِهُ إليه. يقال: وَلَهَتْ إليه تَلِهُ أي تحن إليه ( ... ) وناقة والِهٌ: إذا اشتد وجدها على ولدها.) (5) .
وهكذا فأنت ترى أن مدار المادتين: (أله) و (وله) هو على معان قلبية، ترجع في مجملها إلى التعلق الوجداني والامتلاء بالحب. فيكون قول المؤمن: (لا إله إلا الله) تعبيرا عما يجده في قلبه من تعلق بربه تعالى. أي: لا محبوب إلا الله، ولا مرهوب إلا الله، ولا يملأ عليه عمارة قلبه وجدا إلا الله. إنه أشبه ما يكون بذلك الفصيل الصغير، الذي ناح شوقا إلى أمه، إذ أحس بألم الفراق، ووحشة البعد! إن المسلم إذ (يشهد) ألا إله إلا الله، يقر شاهدا على قلبه أنه لا يتعلق إلا بالله رغبة ورهبة وشوقا ومحبة. وتلك لعمري (شهادة) عظيمة وخطيرة! لأنها إقرار واعتراف بشعور، لا يدري أحد مصداق ما فيه من الصدق إلا الله، ثم الشاهد نفسه! ومعاني القلب لا تحد بعبارات، ولا تحصرها إشارات. ومن هنا كانت شهادة (ألا إله إلا الله) من اللطافة بمكان، بحيث لا تدرك على تمام حقيقتها إلا ذوقا!) (6) ولو تتبعت الممارسة الدينية في سائر تفاصيل الإسلام؛ لوجدتها جميعها، وبدون استثناء ـ بما فيها القتال في سبيل الله ـ عملا (وجدانيا) ! وقد فصلنا هذا في الكتاب المذكور تفصيلا، لا يبقى معه مجال للشك في الطبيعة الوجدانية للتدين، فراجعه هناك إن شئت.