فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 210

وهذا أمر ضروري للدين وللحياة! فلولا العامل الوجداني في الدين لما استجاب أحد للقتال في سبيل الله، ولما غامر أحد بالدفاع عن وطنه وعرضه! قال عز وجل: (ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين) (البقرة:249) . تماما كما أن مقدارا معينا من (الجبن) ضروري للإنسان كي يعيش؛ وإلا مد يده لأي ثعبان سام؛ فلدغه فمات! فالدين يعتمد (قدرا) معينا من التوجيه العاطفي الوجداني للمتدينين؛ قصد الانخراط بصورة إيجابية في العمل الديني.

هذا معطى أساس لفهم (النفسية الغالية في الدين) . وبإغفاله يتم إغفال المجهر الحقيقي، الذي به يتم النظر السليم إلى الظاهرة الدينية عموما، وظاهرة الغلو بصفة خاصة!

ذلك أن إطلاق العنان للتجربة الوجدانية؛ قد يؤدي إلى تجاوز النصوص، التي هي حدود الله، لضبط فيض الوجدان الديني. وإذن يكون الانجراف والانحراف! وإنما مظاهر (الغلو) التي عرفها التصوف في تاريخ الإسلام من حيث هو تجربة وجدانية بالدرجة الأولى؛ راجعة إلى ما قررناه من هذا المعنى. وبوادر ذلك كانت بادية منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم. ثم استفحلت بعد بأشكال شتى! ففي الحديث الصحيح الذي رواه أنس رضي الله عنه قال: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى يسألون عن عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، وقالوا: أين نحن من النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر أبدا ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم فقال:(أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني! ) ) (7) ومثل هذا المعنى في السنة كثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت