إذن هذا المعطى أصل مشترك، بين سائر أشكال التدين بإطلاق. من حيث قابلية النفس الإنسانية للنزوع العاطفي إلى (الغلو) ؛ استمدادا للزيادة في الإيمان.
من هنا إذن يجب أن ننطلق في دراسة ظاهرة (الغلو في الدين) .
فإذا كان (الإيمان) من حيث هو أرضية وجدانية، قابلة لظهور الغلو بمجالها؛ فإن ذلك لا يحصل ـ في العادة الغالبة ـ بصورة تلقائية أو عشوائية غير مفسرة؛ إلا بوجود أسباب مفجرة لهذا النزوع. ذلك أن الدين ـ من حيث هو أحكام شرعية ـ محمي كما بينا بنصوص قطعية الدلالة والثبوت في منع الغلو والتحذير منه.
لكن الأسباب والعلل الضاغطة، قد تولد ظواهر غير مرغوبة لهذا التصور أو ذاك. ولا ظاهرة اجتماعية أو إنسانية إلا ومن ورائها أسباب. (سنة الله في الذين خلوا من قبل. ولن تجد لسنة الله تبديلا) (الأحزاب:62) .
ونحن إذ نحاول أن نستعرض (علل) الغلو في الدين، لدى بعض الإسلاميين اليوم، فإنما نقوم برصد تطورات الواقع الذي كان له أثر نفسي على (الوجدان الإيماني) الحساس! إن إثارة العاطفة الوجدانية، والشعور الإيماني، أمر يؤدي إلى اشتعالهما والتهابهما! وإذ ذاك فلا ضمانة ألا يشتط التدين في متاهات الغلو؛ استجابة للفاعل المؤثر من هذه العلة أو تلك.
لكن لابد قبل البدء من تقرير أمر هام. وهو أننا هنا لا نؤرخ لأسباب ظهور الحركة الإسلامية من حيث هي حركة دعوية. فهذا موضوع آخر تماما، وأشمل بكثير مما نحن فيه. وإن كان له صلة به من وجه. لكننا قد نقرر بعض تلك الأسباب التاريخية؛ لكونها تطورت بصورة ما، إلى أن صارت علة من علل (الغلو في الدين) . فالموضوع إذن متشابك جدا ومعقد جدا، لكننا كلما وقفنا على أمر مشترك الدلالة نبهنا عليه؛ حتى لا يتم الخلط بين الدعوة الإسلامية المعاصرة، باعتبارها مظهرا سليما من مظاهر التدين؛ وبين ظاهرة الغلو المرضية.