نورد إذن أهم علل الغلو الديني في العصر الحديث؛ بناء على ما استقرأناه عبر ملاحظاتنا الشخصية، من خلال تجربتنا المتواضعة في صفوف الحركة الإسلامية، لأكثر من عشرين سنة. وأنا أعترف أنها مدة قليلة جدا بالنسبة لدارس في هذا الموضوع. ولكننا ندرس الموضوع من خلال مصادر أخرى، (وثائقية) ، للحركة الإسلامية، ومن خلال احتكاكنا بتجارب مختلفة، لهذه الحركة أو تلك، داخل المغرب وخارجه، وقراءاتنا لما وصل أيدينا من مذكرات الدعاة الإسلاميين في العالم العربي والإسلامي. ثم من خلال ما نقلناه (سماعا صحيحا) ، من شهادات الرواد المؤسسين للدعوة الإسلامية، بهذا المكان أو ذاك. نذكره حين نذكره بسنده في محله إن شاء الله.
قلت: أحسب أن (أهم) علل الغلو الديني ـ ولا نقطع بعدم وجود غيرها ـ في العصر الحديث هي كما يلي:
1 ـ نفسية رد الفعل على تأسيس الدولة العبرية بفلسطين، ثم الهزائم العسكرية للدول العربية في مواجهتها. وكان أبرزها أثرا هزيمة 1967 م، ثم إحراق المسجد الأقصى سنة:1969 م. ولعل هذا الأثر كان عاما في العالم الإسلامي لما للقدس من قداسة في الإسلام. حتى إن المغاربة ـ وهم أبعد المواقع جغرافيا عما يسمى بدول المواجهة ـ قد ارتجوا لحدث الإحراق ارتجاجا! وقد (حدثنا) أستاذنا الدكتور الشاهد البوشيخي حفظه الله، أنه قد شاع بين المغاربة حينها أن الناس لن يتمكنوا من الحج بعدها! ظنا منهم أن المد الاستعماري الصهيوني سيقطع طريق الحج بالاحتلال. فكان لذلك أثر في نشأة الجمعيات الحركية الإسلامية بالمغرب، وإذكاء حماس ما قد نشأ منها في تلك المرحلة.
إلا أن الغلو لم يكن لينشأ بين الناس بعد؛ لولا تقاعس الأنظمة العربية الحاكمة آنئذ عن إعلان الجهاد. بل قد شاعت خيانة بعض الحكام، ومنعهم للمتطوعين من الشعب أن يقاتلوا الاستعمار الصهيوني. بل تعدى الأمر إلى