إلى تربية ودعوة! وما أوهم من يظن بأن هؤلاء الناس قد بلغوا ذلك فعلا! وهذه (النفسية الاستهلاكية) على الطريقة الغربية لا تزداد إلا شرها، وتحكما في الناس! بمن فيهم الإسلاميون أنفسهم في كثير من الأحيان، وفي أشد مواقعهم الغالية والمتشددة! إن الذي ما يزال غير قادر على الامتناع عن شرب (الكوكاكولا) ـ مثلا ـ والامتناع عن المنافسة في تجهيز الصالونات، واتخاذ المتكآت؛ لن يكون كلامه في الخلافة والاستخلاف إلا أضغاث أحلام، وأماني من الأوهام! إن الأمة اليوم ما تزال بعيدة عن إدراك سقف، لمّا تبن جدرانه وقوائمه بعد! ورحم الله ابن عطاء الله الاسكندري لِمَا نطق به من الحكمة، إذ قال: (ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يُحْدِث في الوقت؛ غير ما أظهره الله فيه!) (29) فتأمل!
واقرأ قول الله عز وجل ثم تدبر: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) (لنساء:77) .
إنها مراحل دعوية واضحة بينة، لمن له بصر بالسيرة، وخبرة بمنهج القرآن في عرض وقائعها، وصنع مدارجها. ويدور اليوم جدل بين الإسلاميين حول ما يسمى بـ (فقه المراحل) ، أو (المرحلية) في المجال الدعوي؛ بين متبن لها على (ظاهرية) حرفية؛ ومنكر لها جملة وتفصيلا. وأحسب أن المشكل ليس ههنا، فالمرحلية حقيقة قطعية في تاريخ الدعوة الإسلامية النبوية، بل هي سنة من سنن الله في الخلق والتكوين، بدءا بخلق الأجرام الكبرى في الفضاءات؛ حتى خلق الإنسان وسائر دقائق المخلوقات. وإنما المشكل هو في فقه (تحقيق مناطاتها) . فههنا زلت أقدام، وانزلقت أفهام! وإنما تؤخذ الأمور في فقه المراحل ـ كما تؤخذ في الفقه ـ بمقاصدها، وعللها. وإنما الانطلاق في كل ذلك من طبيعة النص الشرعي من جهة؛