إن المجتمع المتدين بطبعه، أو القابل للتدين، الذي لا يمنعه من ذلك إلا غبار الغفلة والنسيان، أو الكسل العام؛ هو مجتمع مناصر للمشروع الإسلامي الدعوي بالقوة، وإن لم يكن كذلك بالفعل! فلا يحتاج حينئذ إلا لخطاب دعوي منبري يستنهض العاطفة الدينية الكامنة فيه، ويمسح عنها غبار الغفلة. أما إذا تعرض مجتمع ما إلى وابل التضليل الخلقي والتفسيق الاجتماعي؛ حتى غرق في شهواته إلى الأذقان، وسكر بها حتى الثمالة؛ فإن الآذان حينئذ لن تكون مولية أي اهتمام للدين وأهله، ولا لما يحمله مشروع الإصلاح الدعوي من خير للناس في الدنيا والآخرة! وذلك بسبب (الران) الذي أصم البصيرة، وأعمى الإحساس الجماعي، فلا هو يرى أو يسمع إلا ما يدغدغ غرائزه الحيوانية ويشبع فجوره الكاسر! قال سبحانه: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) (المطففين:14) .
وقد رأينا دعوات إسلامية خفتت في بعض البلدان العربية، إلى درجة الاندثار، ولم يكن السبب هو تسلط الحصار السياسي عليها، وإن كان حاصلا، وإنما كان السبب الحقيقي والعميق أن رصيدها على مستوى التدين الشعبي صفر مع الأسف! أعني أنه لو كانت هذه الدعوات ذات بعد اجتماعي شامل، يحمل خطابا تدينيا بسيطا لعموم الناس، لا خطابا سياسيا صرفا فحسب، أو خطابا أكاديميا ضيقا؛ لكان لها رصيد شعبي حقيقي، لن يسلمها أبدا لأي عدو مهما كانت الظروف، حتى وإن تم القضاء على شكلها التنظيمي الإداري، فإنه لن يتم القضاء على امتدادها الطبيعي في المجتمع، ألا وهو التدين وجذوره العميقة. ولن يستطيع أحد حصارها في الناس. وذلك هو رأسمال الدعوة الإسلامية في كل زمان ومكان، أعني استجابة الناس لرغبة التعبد لله الواحد القهار.
إن بعض العاملين للإسلام المخلصين لدعوته يغترون بالوجه السياسي المحارب للمشروع الإسلامي، فيجعلون ذلك أساس المعركة ورأس الأولويات الدعوية في أوطانهم، بينما غالبا ما يخفي ذلك الوجه خطة