أخطر من ذلك وأدهى، هي تقويض صرح الشعور الديني، لدى مختلف الشرائح الشعبية في البلاد الإسلامية. وذلك بضرب البنية الخلقية التحتية، التي هي أساس قيام الأسرة المسلمة، حيث استمرار المحافظة على بيضة التدين في المجتمع وتلقينها للأجيال، من خلال الخطاب التربوي البسيط، الذي تمارسه الأمهات والآباء، فإذا انهدم ذلك وتخلت الأسرة المسلمة عن وظيفتها الدعوية التلقائية، ومارست نقيض ذلك، بإشاعة التحلل الخلقي، وتنشئة الجيل عليه؛ فإنه لن يكون مآله إلا احتقار السلوك الديني، والاستهانة بأي خطاب يحمل قيما ذات ظلال مؤمنة تائبة. ومن هنا يكون الحصار الحقيقي والخطير للمشروع الدعوي الإسلامي!
أما سائر أشكال الحصار السياسية والعسكرية وأضراب ذلك، مهما كانت بشاعته، فقد أثبتت التجارب التاريخية أنه لا يؤثر في مسيرة الدعوة الإسلامية، إلا تأثيرا ظرفيا، قد لا يتعدى سنوات تحصيها اليد الواحدة، ثم تقوم الصحوة الإسلامية أصلب مراسا، وأشد عودا، وأشمل اكتساحا للبلاد والعباد. وإنما الضرب الحقيقي للمشروع الإسلامي هو الضرب البنيوي الخلقي، الذي ينتزع العاطفة الدينية الأصيلة، من الشعور الشعبي العام، بسبب الحرب الإعلامية المدمرة للأخلاق العامة، في الناس، وفي الأسرة بشكل خاص! مما يؤدي في نهاية المطاف إلى إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا! وتلك هي علامة الانهيار الشامل للمجتمع: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) (الإسراء:16)
ولقد علمت أن غاية الحدود والتعازير في الإسلام إنما هي منع الفاحشة أن تشيع في المجتمع، وتنتشر؛ حتى تصبح عرفا جاريا: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (النور:19) وليس الهدف هو القضاء عليها بالتمام والكمال، لأن الطبيعة البشرية ناقصة أبدا، وحد الزنا كاف للدلالة على ما نقول، إذ لا يقام إلا بشهادة أربعة شهداء متطابقة أقوالهم في تحديد الزمان