فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 210

الخضوع التعبدي، عند تأمل بحر الغيب الذي إليه يرجع تفسير هذا العالم الوجودي. ومن هنا كانت (أوامره ونواهيه) ـ عند من يؤمن به ـ ذات قداسة مطلقة.

إن القرآن ـ كما سيأتي تفصيله في الفصل الرابع من هذا البحث، بحول الله ـ جاء بأمرين: الأول: تفسير الوجود، والثاني: ربط الإنسان بوظيفته داخل هذا الوجود؛ ومن هنا وجوديته. والثاني مبني على الأول. أي أن قابلية الإنسان للاشتغال التعبدي راجعة إلى ما قدم له القرآن الكريم من تفسير وجودي. ومن هنا كان كل التدين ـ إيمانا وعملا ـ حركة وجودية بهذا المعنى. وإذن؛ فإن المسلم يستجيب بعمق (وجودي) لما يمليه عليه منطق إيمانه ـ كما فهمه ـ استجابة وجدانية، يكون من الصعب معها ـ إن لم يكن من المستحيل ـ ثنيه، أو ردعه عما يفعله أو يعتقده صحيحا كان أم خطأ! ولك أن تقرأ تاريخ الأديان السماوية عبر التاريخ، وما خاضه المتدينون في سبيلها من جهاد دام! معرضين أنفسهم للتعذيب والتقتيل!

والأمر الثاني: هو أن الإسلام دين (دعوي) بامتياز. ليس بالمعنى المسيحي التبشيري للكلمة، كلا. وإنما بالمعنى (الرسالي) العقدي. وهو الشق الثاني للعقيدة الإسلامية، أو كما يسميه علماء التوحيد (توحيد الاتباع) . أي الذي به يتم عنوان الإسلام ـ بعد شهادة أن (لا إله إلا الله) ـ فنشهد أننا نتلقى ذلك بشهادة أن (محمدا رسول الله) . متبعين لماء جاء به عن الله. وذلك أنه جاء إلى الناس على أنه رسول يحمل (رسالة) . وهذا أمر يجعل المسلم (مكلفا) ـ بالاصطلاح الفقهي ـ بتحمل (تكاليف) الدين (الرسالية) . هذا المعنى الساري في كل الأعمال التعبدية، الاعتقادية والعملية. بدءا بالصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ وانتهاء بالجهاد في سبيل الله، الذي يخوض غمار التدافع القتالي!

فالإسلام ـ بطبيعته ـ دين (حركي) غير (سكوني) . من حيث إنه يبني كل قضاياه العقدية والتشريعية على كلية كبرى هي: (الإصلاح) للناس وبين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت