قال محمد بن عيسى بن أصبغ، الفقيه المالكي، المعروف بابن المناصف (ت:620 هـ) ، في كتابه (الإنجاد في أبواب الجهاد) ؛ مترجما أحكام الجهاد في الصيغة التالية: (فصل في بيان فرض الجهاد، وتفصيل أحكامه على الأعيان، وعلى الكفاية، وما هو من ذلك نفل بحسب الأحوال) (35) . وذكر نصوصا من القرآن والسنة نذكر منها قول الله تعالى: (كُتِبَ عليكم القتالُ وهو كره لكم. وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم. وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (البقرة:216) . وقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه؛ مات على شعبة من نفاق) (36) .
ثم قال مفصلا: (فإذا تقرر ذلك فللقيام بالجهاد من حيث الحاجة، والاستغناء، ثلاثة أحوال: حال يكون فيها الجهاد فرضا في الجملة على الكفاية، وحال يكون فيها فرضا على الأعيان، وحال يكون فيها نفلا.
فأما الحالة الأولى: حيث يكون الجهاد فرضا في الجملة، فهي حالة الأصل التي تقدم فرض القتال فيها على الكفاية، وذلك ما لم يعرض عارض ينقل الفرض إلى التعيين!
فواجب على المسلمين في الجملة غزو الكفار ابتداء، وجهادهم على الإيمان، ولتكون كلمة الله هي العليا؛ حتى يقهروهم ويضطروهم إلى أوكس الأحوال؛ المرة بعد المرة. قال بعض العلماء: وأقله مرة في العام. وهذا عندي صحيح؛ لأنه قد تقدم أن الجهاد فرض يتكرر على الكفاية. ولم يجعل الله تعالى لذلك على مر الأعصار غاية يتعقبها الكف، إلا بأحد أمرين: إما أن يدخلوا في الإسلام، وإما أن يؤدوا الجزية، على خلاف فيمن تقبل الجزية منهم! ( ... ) قال الله سبحانه: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) أي: شرك. (ويكون الدين كله لله) (الأنفال:39) . وقال تعالى: (قاتلوا الذين لا يومنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسولُه، ولا يدينون دين الحق، من الذين أوتوا الكتاب؛ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم