كان عليَّ حينئذ إلا أن أصوغ الإشكال، وأخوض غمار التصنيف غير آبه، ولا ملتفت إلى القيل والقال!
ثم لقد بقي بعد ذلك هذا الكتاب مرقونا دون نشر نحو ثلاث سنوات، ولم أحاول نشره إلا مرة واحدة، لم تتم - رغم ما ورد عليَّ في ذلك من عروض وطلبات - والسبب أني كنت حريصا على المراجعة، ليس لأفكاره من حيث هي أفكار مجردة، ولكن من حيث هي حركة في الواقع، فقد شرعت في تنزيل ذلك من خلال عمل دعوي محدود، أشبه ما يكون بعمل التجريب، فلم أزل أرقب سيره وتقلباته، عبر مختلف الأحوال والظروف؛ حتى جاء قَدَرُ الله مما حدث بالولايات المتحدة الأمريكية من أحداث، في اليوم الحادي عشر من شتنبر لسنة: 2001 م؛ وهي الأحداث التي أظهرت تحول حركة التاريخ عبر منعطفها الجديد، ذلك المنعطف الذي كان قد بدأت حركته قبل ذلك بكثير، مما كان يبصره أهل البصائر، وإنما تلك الأحداث جلّته لعامة الناس. فظهر ما كان خفيا من أمر التحولات الحضارية الكبرى، التي بدأت مؤشراتها القوية في الظهور - وأقول (القوية) - منذ أوائل الثمانينات من القرن الميلادي العشرين. وعُرِفَ المآل من طبيعة الحال. وكانت أحداث أمريكا - وما كان لها من انعكاسات على العالم الإسلامي - تسجيلا رسميا لبلوغ مرحلة اللاعودة في موجة التحولات، وفي حركة التاريخ؛ فلم يعد هناك من تردد في معرفة إلى أين يتجه العالم!
لقد نشأ الغرب الأمريكي - أول ما نشأ - على فلسفة الصراع الحضاري، ومنطق (البقاء للأقوى) ؛ إذْ قامت حضارته على إبادة أمة بكاملها! ولم يكن ممكنا بعد انهيار المعسكر الاشتراكي أن يستمر وجوده بغير صراع. فالصراع هو أساس قوة اقتصاده، والصراع هو أساس وحدة دولاره، كما أنه المغذي الأول لكل معاهد البحث العلمي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة! فلابد له إذن من الانخراط الكلي في صراع جديد. وكان العالم الإسلامي هو المرشح الرئيس ليقوم بذلك الدور الضحية! بناء على ما