فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 210

قلت: إذا كان ذلك كذلك؛ وكان (الجهاز الإداري الحاكم) برمته هو أول المتخاذلين، في إنفاذ الشريعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فمن الطبيعي أن تتفجر الرغبة الوجدانية التدينية، المتعلقة بهذا الجانب في المجتمع، فترى من يعلن الجهاد في غير محله، وينزله على غير منزله! بل يجعل هدفه هو هذا الجهاز الحاكم نفسه! ثم لما يرى المسلمون ـ بعين التدين العام ـ من كلف شرعا بحماية التدين كسلوك اجتماعي هو أول من ينقضه! أو يستهتر بالقيم الدينية والأخلاق الإسلامية! أو يدعو إلى (حداثة) تقصد إلى التنصل من عقيدة الإسلام وشريعة الإسلام؛ فإنه من الطبيعي حينئذ أن ترى من ينتدب نفسه للقيام بالدفاع عن العقيدة والتدين العام! وهو يشعر في ذلك أنما يدافع عن نفسه بإبراء الذمة عند ربه، وحماية هويته!

ثم إذا كانت السلطة قد قزمت دور العلماء، وفرغت جبة العالم من هيبته؛ فإن النتيجة أن الناس سيفقدون الثقة في أقواله وأفعاله؛ وإذن ـ وهذه هي المصيبة ـ سيظهر من يزعم لنفسه الإمامة العلمية بالباطل! ويصدق على المجتمع حينئذ قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء؛ حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا؛ فسئلوا؛ فأفتوا بغير علم؛ فضلوا وأضلوا!) (43) .

وها هي ذي تجارب نشهدها في الواقع المعاصر، حيث تصدر للزعامة والفتوى في أمور الدين من أباح دماء المسلمين! فلما لجأ أهل السلطان إلى أصحاب القرآن؛ لم ينفع دواؤهم في ذلك شيئا؛ لأن من سموا علماء لم يبق فيهم من صفة العالم إلا جبته! وإذن كانت النتيجة أن سار المجتمع مع (فتاوى) غيرهم إلى الضلال البعيد!

إن رغبة التدين في الناس ـ مهما قد يبدو عليها من ضمور وفتور ـ طاقة متدفقة مثل الماء، متى تحبسه في اتجاه يتسرب ـ بصورة تلقائية ـ في اتجاه آخر قد لا تحمد عقباه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت