الصفحة 66 من 135

لقد كانت عناية نقاد المسلمين بالإسناد شديدة حتى بنوا على صحة الإسناد المتن، إلا أنهم تغاضوا في بعض الأحيان عن الإسناد حين تتلقى على صحته. قال ابن عبدالبر في"الاستذكار"فيما حكي عن الترمذي أنّ البخاري صحح حديث البحر (هو الطهور ماؤه) قال:"وأهل الحديث لا يصححون مثل إسناده، لكن الحديث عندي صحيح؛ لأن العلماء تلقوه بالقبول". وقال في"التمهيد": روى جابر

عن النبي - صلى الله عليه وسلم -"أربعة وعشرون قيراطًا"قال: وفي قول جماعة العلماء وإجماع الناس على معناه غني عن الإسناد فيه. وقال أبو إسحاق الإسفرائيني: تُعرف صحةُ الحديث إذا اشتهر عند الحديث بغير نكير منهم [1] . وهذه الرواية على فرض الإسناد فيها بل وتوفر الصحة في أسانيدها، فإن الإجماع على مصادمتها للعقيدة يبطلها ويشكك فيها. إنّ حجة ابن حجر والسيوطي في إثبات الرواية أنّ كثرة الطرق لهذه أنّ لها أصلًا [2] ، لكنهما أوّلاها بما يتفق مع عصمة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ الإجماع

حاصل على أنه لا يجوز أن النبي - صلى الله عليه وسلم - الكذب لا عمدًا ولا سهوًا. والتأويل الذي ارتضاه الحافظ ابن حجر هو:"أن النبي - صلى الله"

عليه وسلم - كان يرتل القرآن ترتيلًا، فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات ونطق بتلك الكلمات؛ محاكيًا نَغْمته فسمعها من دنا فظنّه

قوله، وأشاعها

بين الناس"قال ابن حجر:"وهو الذي ارتضاه عياض وأبو بكر بن العربي واستحسناه" [3] "

). وهذا التأويل هو على فرض التسليم بالصحة، ولا تصح روايات القصة [4] ، ثم إنه تأويل غير سائغ لما يلي: - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز، وليس على العباد الصالحين، فكيف يكون له سلطان على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، واستمع إلى قوله تعالى:

رسول الله

-صلى الله عليه وسلم - عليه؟

(1) تدريب الراوي ص 66.

(2) الفتح 8/ 354 - 355.

(3) الفتح 8/ 35.

(4) انظر نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق للشيخ الألباني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت