الصفحة 13 من 29

تجارة تُقَوم معها، وإن لم يُرد بيعها، بل تُباع العروض وتبقى هى للاستعمال فلا تُقوَّم، شأنها شأن العروض المقتناه" [32] ."

الثانى: ويرى أصحاب هذا القول وجوب الزكاة في الأصول الثابتة التشغيلية، واستدلوا على ذلك بعموم قول الحق تبارك وتعالى:"خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً" [33] . وبأن سكوت نصوص التشريع عنها ليس دليلًا للمنع. وبأن تزكية وتطهير نفوس وأموال المسلمين من مقاصد الزكاة، وهذه التزكية لا تتحقق بإعفاء الأصول الثابتة الظاهرة للفقير. كما أضافوا بأن قيمة الأصول الثابتة ضخمة وإعفاءها يعنى انخفاض الحصيلة، وبأن الأموال التى ذكرتها كتب الفقه لا تكاد تفى إلا بالنذر اليسير من حاجات الفقراء [34] .

ووفقًا لهذا الرأى، يكون المقصود بالقنية في أقوال الفقهاء،"القنية الاستعمالية"أى ما يستعمله الفرد وأسرته من ملبس ومسكن وأثاث ووسيلة انتقال ولا تتعدى ذلك إلى ما تستعمله المنشآت من أصول ثابتة كالأراضى والمبانى والسيارات ونحو ذلك.

والواقع أن الباحث يؤيد ما ذهب اليه الجمهور من عدم وجوب الزكاة في الأصول الثابتة التشغيلية للأسباب التالية:

(1) إن هذه الأصول غير مُعدة للبيع، ومن ثم فهى تخرج من الوعاء بنص حديث سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، والذى قَالَ:"أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنْ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْعِ" [35] .

(2) إن هذه الأصول أشْتُرِيَت لغرض الاستعمال في النشاط التجارى، ومن ثم فحُكمها حُكم الثياب المُسْتعملة، وكذا الإبل والبقر التى تُستخدم في حرث الأرض، وكلاهما لا زكاة فيه بنص حديث الرسول r:"وَلَيْسَ عَلَى الْعَوَامِلِ شَيْءٌ" [36] .

(3) إن هذه الأصول مُخصصة لسد الحاجات الأساسية أو الأصلية للمنشأة ومن الثابت أن الزيادة عن الحاجات الأصلية أحد الشروط الواجب توافرها في المال الخاضع للزكاة، ودليل ذلك حديث رسول الله r:"لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ صَدَقَةٌ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ" [37] ، وما الفرس والعبد إلا نماذج للأصول الثابتة والتى كانت تُستخدم في عصر الرسول r ، ومن ثم يُقاس عليهما الأصول الثابتة المعاصرة.

(4) إن الإعداد للنماء يُمثل أحد شروط الوجوب في المال الخاضع للزكاة [38] . ومعنى النماء لا يتحقق بدون نية وقصد التجارة، وهو ما لم يتحقق في تلك الأصول.

(5) من الثابت أن النماء هو العِلة في وجوب الزكاة وأن الحُكم يدور معه وجودًا وعدمًا فحيث تحقق النماء في مال وجبت فيه الزكاة، وإلا فلا.

(6) إن التفرقة عند الفقهاء - كما اتضح من نصوصهم السابق الإشارة إليها - بين ما يُعد للاستعمال وما لا يُعد لغيره، لا بين ما يُعد للاستعمال الشخصى وما يُعد لغيرة. بل إن نصوص الفقهاء في هذا الصدد، والتى أوردها الباحث، نصت صراحةً على إعفاء الأصول التى تُستعمل في العمليات التجارية والصناعية.

وقد أخذ نظام جباية فريضة الزكاة في المملكة العربية السعودية، والذى يقوم على حساب وعاء الزكاة طبقًا لطريقة مصادر الأموال طويلة الأجل [39] ، بهذا القول عندما اعتبر صافى قيمة الأصول الثابتة أحد عناصر المطلوبات الزكوية [40] . ... كما أخذ به أيضًا مشروع القانون النموذجى للزكاة [41] .

ولعل الحِكْمَة من عدم وجوب الزكاة في الأصول الثابتة التشغيلية، وغيرها من الأصول الثابتة (وهذه أحد جوانب الإعجاز في التشريع الزكوى) ما يلى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت