سبقت الإشارة-إيرادها كان لما تتضمنه من فوائد لغوية. وهذا ما جسده المؤلف في أكثر من مناسبة. من ذلك: ما علق به على قول حسان بن ثابت:
ما البحر حين تهب الريح شامية***فيغطئل ويرمى العبر بالزبد.
قال:"أصل هذه (فيغطئل) من الغيطلة وهي الظلمة، وأصلها يغطال، مثل: يسواد، لكنه همز بالألف، لئلا يجتمع ساكنان، وإن كان اجتماعهما في هذا الموضع حسنا، كقوله تبارك وتعالى:"ولا الضالين ( ... ) . ومع هذا فقد قرأ أيوب بن أبي تميمة السختياني (ولا الضألين) بهمز مفتوحة. وقرأعمرو بن عبيد [1] :"إنس قبلهم ولاجان" [2] [3] .
اتضح من النص أن المؤلف رام من إيراد هذه القراءة-رغم عدم اعتبارها-بيان جوازهمز الألف الساكنة في (يغطال) وعدمه. مستندا إلى هذه القراءة، والتي -ربما- اختل فيها شرط صحة السند، لكن شرط موافقة العربية ثابت كما يبدو.
ما يفهم من هذا النص كذلك أن المؤلف-رحمه الله-أراد أن يبين على أن القراءة غير المعتبرة-وإن لم تصلح للقراءة والتعبد-فهي صالحة للإستدلال على لفظ أوتركيب في اللغة. باغتبارأن شرط موافقة العربية-غالبا-ما يكون واردا فيها.
د-أثر اختلاف القراءات عند السهيلي:
لاختلاف القراءات آثار في اختلاف الأحكام الشرعية، وفي المعاني و الدلالات. وقد أكد المؤلف على هذه الحقيقة في أكثر من موضع.
فعن اختلاف الأحكام الشرعية، أورد المؤلف عدة أمثلة تجسد أثر اختلاف القراءات في اختلاف الأحكام. منها: ما ذكره بصدد حديثه عن حكم العمرة-أنها واجبة في قول أكثر العلماء، وأن الشعبي يرى عدم وحوبها. وأنه كان يقرأ:"وأتموا الحج والعمرة لله [4] برفع لفظ العمرة لايعطفها على الحج" [5] . فانظر كيف اختلف الحكمان نتيجة اختلاف القراءتين. فالجمهور الذي قرأ:"وأتموا الحج والعمرة لله"بعطف العمرة على الحج، كان يرى وجوب العمرة. بينما الشعبي لا يعطف العمرة على الحج، مما جعله يرى عدم وجوبها. وكأني
(1) - شيخ المعتزلة في عصره. ولد سنة 80. وتوفي 144 هـ
(2) - الآية 55 سورة الرحمن
(3) - الروض الأنف ج 4 ص 21 - 22
(4) - الآية 195 سورة البقرة
(5) - الروض ج 4 ص 77