اشتهر ابن عاشور بثقافة موسوعية رحبة الآفاق، فهو أديب امتلك ناصية الآداب العربية، ولغوي مهر في قواعد الفصحى، وله العديد من المؤلفات فيها [1] . وكل هذا راجع لخبرته العلمية، فقد درس مختلف العلوم في جامع الزيتونة حتى أصبح مدرسًا فيها.
وهذا الجانب اللغوي فيه قد أثّر على تفسيره للقرآن، فأصبح تفسيرًا لغويًا، فنراه يهتم ببيان جميع الجوانب اللغوية في الكلمة، مع ذكر أقوال اللغويين [2] فيها غالبًا، مصرّحًا بأسمائهم، ولم يكتف بمجرد سرد أقوالهم، بل كان مخالفًا لها تارة، و موافقًا لها تارة أخرى، مع التعليل وضرب الأمثلة، وإبراز رأيه مع إيراد الحجج المقنعة سواء من الشواهد أو من القياس والسماع.
فمن أقوال اللغويين في تفسيره قوله:"والأظهر أن اطمأنّ وزنه افعللّ وأنه لاقلب فيه، فالهمزة فيه هي لام الكلمة والميم عين الكلمة، وهذا قول أبي عمرو [3] وهو البيّن إذ لا داعي إلى القلب، فإن وقوع الهمزة لاما أكثر وأخف من وقوعها عينا. وذهب سيبويه [4] إلى أن اطمأن مقلوب وأصله اطْأمنّ وقد سمع طمأ نْتُه وطَأْ مَنْتُه وأكثر الاستعمال على تقديم الميم على الهمزة، و الذي أوجب الخلاف عدم سماع المجرد منه [5] إذ لم يسمع طَمَن" [6] .
(1) انظر: شيخ الجامع الأعظم ص 69، ومحمد الطاهر ومنهجه في تفسيره ص 76.
(2) من أسماء اللغويين الواردة في التحرير: سيبويه - الخليل - أبو عمرو - أبو عبيدة - الجوهري - صاحب القاموس - ابن مالك - المبرد - ابن هشام - ابن الحاجب - ابن عرفة - ابن جني - المازني.
(3) الخلاف بين أبي عمرو وسيبويه جاء في الخصائص 1/ 445، واللسان 5/ 646.
(4) انظر: الكتاب 4/ 524.
(5) قال ابن منظور:"طمن غير مستعمل في الكلام". اللسان 5/ 647.وانظر: المستقصي 1/ 370، والمغني في تصريف الأفعال ص 158.
(6) التحرير 3/ 39.