ولستُ من الذين يَلُومُون المذهبَ الوِجدانيَّ الحديث على عدم دِقَّتِه، ومما يُفِيد في
الفلسفة ألَّا تُوقَف الدَّارَاتُ كثيرًا حتى يَحُومَ حولها من التفاسير ما يُجَادَل فيه، فالفلسفةُ
الواضحة لا تُعَتِّم أن تَغْدُوَ مَيِّتَة، والآلهةُ الثابتةُ لا تَلْبَث أن تصبح غيرَ آلهة.
واستعملتُ كلمةَ الوجدان غيرَ مرة حتى الآن من غير أن أحاول تعريفَها، فإليك
كيف يُفَسِّرها مسيو بِرغْسُن:
يُدْعَى بالوِجدان ذلك الضَّرْبُ من المَيْل الذهنيِّ الذي يُنتَقَل به إلى صميم الشيء
ليلائم ما هو وحيد، ومن ثَمَّ ما يَتَعَذَّر الإعراب عنه.
ولكن كيف يُنْتَقَل إلى صميم الأشياء على ذلك الوجه؟ فإليك ما رآه بِرغْسُن: لم
يَكْتَفِ بِرغْسُن بالبحث عما بين الأشياء من صِلات، فأراد هذا الفيلسوفُ المفضال أن
يَتَعَمَّقَ في الحقائق فينْفُذَ في المُطْلَق، والعقلُ إذ كان عاجزًا عن ذلك زَعَم بِرغْسُن وصولَه
إلى ذلك بالوِجدان الذي هو يَنْبُوعٌ جديد للمعرفة، وبالعقل، مع ذلك، ذهب هذا العدوُّ
للمذهب العقليِّ إلى إقامة مبادئه.
وهل لنا أن نَرْجُوَ كشفَ حقائقَ جديدةٍ بالوِجدان، والوِجدانُ لم يكتشف واحدة
منها حتى الآن؟ لقد أبديتُ هذا الاعتراض لمسيو بِرغْسُن مشافهةً فأصاب في إجابته عن
اعتراضي هذا بقوله إنه كان يمكن أن يُوَجَّه مثلُ ذلك اللَّوْم على الِمنهاج التَّجْرِبِيِّ قبل
ظهور غَلِيلِه بأن هذا الِمنهاج لم يُسْفِر عن شيء بَعْدُ.
ظَلَّتْ نظرية الوِجدان ضِمْنَ دائرة الفَرْضيَّات التي قد تغدو خصيبةً ذات يوم،
ولكنها ليست كذلك حتى الآن، فلْنُدَاوِمْ، إذَنْ، على ارتياد عالَم الوِجدان اللَّاشعوريِّ غيرَ
غافلين، مع ذلك، عن أن البشرية لم تتقدم إلا بعد أن تَفَلَّتت منه، فالعقلُ، لا الوجدانُ،
هو الذي تَمَكَّن من السيطرة على الطبيعة.
وإذا كانت الغريزةُ والعاطفة وكلُّ ما يُنْسَب إلى مِنْطقة الوِجدان مُحَرِّكاتٍ قويةً
للإرادة فإنها أَدِلَّاءُ خَطِرَةٌ إذا لم يهيمن العقل عليها، فلْنَخْشَ، على الدوام، هذه القُوَى
اللَّاعَقْلِيَّة التي يُحَاوَلُ تأليهُها في أيامنا الحاضرة.
ومهما تكن الاعتراضات التي يمكن تصويبها إلى نظريات مسيو برغْسُن فإننا نرى
أنه بَذَلَ جُهْدًا عنيفًا؛ ليُخْرِج الفلسفة من الدائرة التي تدور ضمنَها منذ زمنٍ طويل
على غير جَدْوَى، فهو قد وَجَّهَ الفكرَ الحديث إلى مسائلَ لم يَفْتَأ المذهبُ العقليُّ الجامعيُّ
يَزيدها غموضًا، مع أنها موضوعُ اهتمامِ البشرية منذ نشأتها، فلا مناصلها من اتِّباعها
حتى آخر أيامها.
ظَهَرَ مسيو برغْسُن في الوقت المُعَيَّن الذي تَعِبَت الفلسفة فيه من مناطحة السُّور
عَيْنِه على الدوام فَعَدَلَتْ عن إيجاد مناهجَ عقيمةٍ، وهذا المفكر العَلَّامَة أَحْيَا في قلب الناس
المُتَعَطِّشين إلى الإيمان آمالًا كان يلوح ضَياعُها نهائيٍّا، فهو قد جعلهم يَرْجُون خلودَ
الرُّوح، وهو قد قال للناس إن هذا العالَم ليس تَشَبُّكَ قُوى عُمْيٍ، وإن العقل ليس دستورَ
المعرفة، وهو قد قال للناس، أيضًا، إن الإنسان يَحُوزُ، مع قليلٍ من الاختيار، وسائلَ
الوُلُوج فيما لا يمكن معرفته، وإن على الإنسان ألَّا يعتقد أنه فريسةٌ مُقَدَّرَةٌ لقُوًى حَتْمِيَّةٍ
دافعًا إياه إلى ظُلُمَاتٍ لا حدَّ لها، وبِرغْسُن، حين يُوَكِّد هذه الأمور، اقتصر، على ما يحتمل،
على إحياءِ أوهامٍ قديمة، ولكنه أيقظ هذه الأوهامَ على وجه تكون به مسموعةً، وفي وقت
تستطيع فيه أن تُعِدَّ عناصرَ ما يحتاج إليه أناس كثيرون من دين جديد.