فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 132

لا يمكن تفسير الأديان بالعقل كما قلت غير مرة، ولا ترى منطقًا عقليٍّا يقيم دينًا ويحافظ

عليه، فللأديان أسُُسٌ أخرى، وإن شِئْتَ فَقلْ: إن جميع الأديان تستند إلى الأركان الثلاثة

الآتية وهي: الإيمان، والشعائر، والرموز.

أَجَلْ، إن الأديان تتطور ككلِّ عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، غير أن الشعائر

والطقوس تَمْنَحها بعض الثبات لزمن معين على الأقل، حتى إن الأديان لا تَتَّصِفُ بشيء

من الدَّيْمُومة إلا بعد أن تستقرَّ بها رموز وشعائر.

ولا غُنْيَةَ لأيِّ دين عن الشعائر والرموز، فبفضلها يَدْخُل المعتقد الجديد دائرةَ

اللاشعور، ويَتَحَوَّل الانتحالُ الموقت البسيط إلى إيمان وطيدٍ قادر على تعيين وِجْهَة

السَّيْر.

ولا تدوم دِيانةٌ عاطلة من الشعائر والرموز مقتصرةٌ على الإيمان وحدَه.

فانْظُرْ إلى جميع الدِّيانات، انظُرْ إلى دِياناتِ كَلْدَة ومصر، انْظُرْ إلى ديانات أوروبة،

تَجِدْها مفعمةً بالشعائر الوثيقة والرموز المُقَرَّرَة، تَجِدْ لآلهة كلِّ أمة معابدَ يَقْصِدُها

المؤمنون في أوقات معينة لِيُكَرِّرُوا فيها شعائرَ واحدةً وصلواتٍ واحدةً وتراتيلَ واحدة،

ومن ذلك أن شعائر النصرانية تقوم على إقامة القُدَّاس وعلى سِرِّ القربان المقدس وعلى

تناول القربان، وأن رموزها تقوم على الصور والتماثيل والرايات والأفئدة الملتهبة وحمامة

روح القُدس ... إلخ.

والشعائرُ والرموز إذ كانت أمورًا منظورة مادية فإِنه يتألف منها أَيْسَرُ ما يُعْتَنَق

في الأديان.

وسهولةُ انتحال الأمم للشعائر والرموز يُغْوِي المؤرخين، في الغالب، حول اعتناق

هذه الأمم لإيمان جديد.

حقٍّا، إن البرابرة انتحلوا - طَوْعًا - شعائرَ النصرانية ولكن روحهم ظَلَّت وثنية،

والبرابرةُ هؤلاء، إذ كانوا عاجزين عن إدراك العقائد التي عُرِضَت عليهم، عَبَدُوا القِدِّيسين

كما كانوا يَعْبُدون آلهتَهم غيرَ محتفظين من دينهم الجديد بسوى رجاء الجَنَّة وخوفِ

جهنم.

ولا تَلْبَث الشعائر المشتقة من العقائد أن تكتسب قوةً أعلى من قوة العقائد نفسِها،

فالعقائدُ قد تُجْهَل أو يُمَارَى فيها، ولكن الشعائر تُحْتَرم على الدوام.

والدِّيانةُ تأخذ شكلَها الجَمْعِيَّ بتأثير الشعائر والرموز أيضًا، والشعائرُ تَزِيد قوةً

بممارستها المشتركة، والشعائرُ تستحوذ على الخيالات الشخصية فتُمْسِك وَحْدَةَ الإيمان في

الزُّمَر الاجتماعية، والشعائرُ تُحْدِث عند كلِّ واحد بعضَ الواجبات الإلزامية تبعًا للسلطان

الدينيِّ الذي يُعْزَى إليها.

وما اتَّفَق للشعائر من القوة العظيمة يَمْنَحها حياةً أطولَ من حياة الإيمان، ومن

ذلك أنك ترى محافظةَ أناسٍ تَخَلَّصوا من كلِّ معتقد على كثير من الشعائر كالمَعْمُودِيَّة

وتناول القربان الأول والزواج أمام الهيكل والدفنِ الدينيِّ، ومن ذلك أن العامل غيرَ

المؤمن لا يَعُدُّ نكاحه جِدِّيٍّا إذا ما أغُْضِيَ عن الكنيسة، وأنه يقع في ضيق نفسانيٍّ إذا ما

اقتصر على الدفن المدنيِّ، وتُوثِقُه الشعائرُ الموروثة بأمواته، وما تُبْصِره من لَاتِينِيَّة القَسِّ،

ومن الصلوات والإشارات التي كُرِّرَت منذ ألفي سنة يَرْبِط مَيْتَ اليوم بمَوْتَى الماضي.

ويبدو الاحتياج النفسيُّ إلى الشعائرِ والرموز من التَّجَبُّر ما تُضْطَرُّ معه اللاإكليروسية

إلى إيجادها شعائرَ ورموزًا غيرَ ظَانَّة أنها تُعَارِض الأديانَ القديمة بدين جديد على الوجه

المذكور، فما لدى الكنيسة الماسونية من الشعائر والرموز لا يَقِلُّ عما لدى الكنيسة

الكاثوليكية منهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت