فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 132

قَضَت الضرورة بأن نُبَسِّط نظرياتِ مذهب الذرائع إظهارًا لمسائل هذا المذهب الأساسية

ونتائجه.

فمذهبُ الذرائع ينطوي، بالحقيقة، على آراءٍ مختلفة يَطُولُ عَرْضُها، ويرى كثيرٌ من

أصحاب هذا المذهب أنه مِنهاجٌ لنَيْلِ المعرفة فضلًا عن أنه اختبارٌ نفعيٌّ، ويختلف هؤلاء

الأصحاب من هذه الناحية كثيرًا، والحقيقةُ هي، كما يَفْتَرِض هؤلاء على العموم، وليدةُ

أجزاء للحقيقة تَمَّ اختيارها وَفْقَ فائدتهم، وذلك بدلًا من عَدِّ الحقيقة مستقلةً عنا.

ويمكن الدفاع عن ذلك المبدأ كما هو واضح، فنحن لا نفعل سوى تجزئتنا، في

الحقيقة، مَفاهيمَ ملائمةً لحواسِّنا وللأجهزة المُتِمَّة لها.

ولكن العزائمَ، التي هي وليدةُ احتياجاتنا، إذا كانت تُوَجِّه تَجَارِبَنا، لا ترى أيَّ

تأثير لها في الحقائق الصادرةِ عن هذه التَّجَارِب والمناقضةِ لرَغَباتنا في بعض الأحيان،

والحقائقُ التي تُقَرَّر على هذا الوجه، وإن كان من الممكن ألَّا تلائم احتياجاتِنا، وَجَب

معاناتُها، ويشابه العالِم بعضَ الشَّبَه سَحَرةَ الأساطير القديمة العارفين باستحضار

الأشباح من غير أن يَقْدِروا على إخضاعها عندما تَتَكَوَّن.

ومذهبُ الذرائع يَزْدَري المبادئَ العقلية التي لا فائدةَ عمليةَ لها، وهو كثيرُ المراعاة

للغريزة والوِجدان المترادفَيْن بعض الترادف، شأنُ جميع الفلسفات الوِجدانية، قال أحد

فضلاء المدافعين عن هذه المذاهب:

إن الغريزة أمرٌ لا ريب فيه، إنها من المُعْطَيات المُحْكمة المُثبَتة، والغريزةُ، مهما

كانت مصادرها، هي عُنْوَان مَيْلِ النوع ونفعه، فاتِّبَاعُها هو الواجبُ الأول لمن

يريد أن يَسِير مع الطبيعة كما يأمر العقل.

والذي يبدو لي هو أن العقل يَأْمُر بعكس ذلك، فمن مُقْتَضَيات تَقَدُّم الحضارة أن

يتغلب الإنسان على اندفاعاتِ الغريزة، أي أن يسيطر على لَا تَنَبُّهَاته كما قال أحد علماء

وظائف الأعضاء، ولا يميل الرجل العصريُّ إلى أن تهيمن عليه غرائزُ همجيةِ الأجداد التي

رَدَعتْها الزواجر الاجتماعية القَصِفة بصعوبة.

ومن الوجوه الضَّارَّة في مذهب الذرائع نذكر، أيضًا، نفورَه البَيِّن من جميع الأبحاث

النظرية، قال وِيلْيَمْ جِيمْس:

يَتَحَوَّل مذهبُ الذرائع عن التجريد ... إلى الفكر المُعَيَّن الكامل، إلى الوقائع، إلى

العمل الناجع.

أَجَلْ، إن العناية بالمُعَيَّنات وبالعمل الناجع أمرٌ حكيم، ولكن هذا السلوك إذا ما عَمَّ

عَدَلَت البشريةُ عن كلِّ تقدم، فالتأملاتُ الخالية عن النفع العمليِّ هي التي أسفرت عن

أعظم الاكتشافات.

وقَبْلَ أصحابِ مذهب الذرائع المعاصرين بزمنٍ كان أوغُوسْت كُونْت قد صاغَ نصائحَ

مشابهةً لتلك فيما يجب أن تُحْبَى به الدِّراساتُ العلمية من التوجيه العمليِّ، فوَدَّ أن يقوم

مجمعٌ للعلماء فَيَمْنَعَ المباحثَ غيرَ النافعة كدِراسة تركيب الكواكب الكيماويِّ لاستحالته،

فلو قام هذا المجمع بذلك ما اكتُشِفَ تحليلُ طَيْفِ الشمس الذي اطُّلِعَ به على تركيب

الشمس وجميعِ النجوم الكيماويّ، فباتِّباع الأوهام يُوصَل، في الغالب، إلى اكتشافات

مفيدة إلى الغاية، ولولا أبحاث السِّيماوِيِّين حَوْلَ الإكسير ما ظَهَر علم الكيمياء الحديث،

ولولا تأملاتُ مَكْسِوِيل الجريئةُ لظلَّ البَرْق اللَّاسِلْكيُّ أمرًا مجهولًا.

وإذا ما انتشرت فلسفةٌ جديدة وُجِدَ من يحاول تطبيقَها على المسائل التي تستهوي

النفوس، وَبَلَغَ مذهب الذرائع من عدم تَفَلُّته من هذه السُّنَّة ما أَدَّى معه مبدأهُ النفعيُّ،

الذي عُدَّ مُرَادفًا للحقيقة، إلى أسوأ المذاهب، فمما رأيناه استخدامُه من قِبَل النِّقَابِيَّة

الثورية التي يتعذر أن يُدَافَع عنها دفاعًا معقولًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت