فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 132

ترى مما تقدم أنصَرْح العلم يأتلف من وقائعَ أحُسِنَ تفسيرها، غير أن شأن العالِم لا

يقتصر على التَّرَصُّد والتفسير، فالعالِم إذ حاز ما أجُِيدَ إيضاحُه من الوقائع وَضَع من

النظريات العامة ما هو شاملٌ لتفسير عدد كبير من الحوادث.

وعملُ العالِم هذا صَعْبٌ جدٍّا ما دامت المبادئ الناظمة في كلِّ دَوْرٍ قليلةً إلى الغاية

مع أن الوقائع التي تُسْتَخرج منها لا يُحْصِيها عَدٌّ.

وبالوقائع تُعَدُّ الموادُّ الضرورية لشَيْد النظريات العظيمة، ولا بدَّ من استخدام عُمَّال

كثيرين في اكتشافها قبل أن يتلاقى أرباب النفوس العالية القادرون على صُنْع التراكيب

التي هي روح العلم.

قال هنري پُوانْكارِه: «إن جمع الوقائع ليس عِلْمًا كما أن كَوْمَة الحجارة ليست

بَيْتًا.»

وقد يَحدُث أن يَصِلَ الذي يَرْصُد الوقائع إلى تركيبها: ولكن من القليل أن تلتقي

قابلياتُ التحليل والتركيب في العالم الواحد، وليس الرجال الذين استطاعوا منذ قرنٍ، مثلُ

لَامَارْك ودَارْوين، أن يُحَوِّلوا الفكرَ العلميَّ تحويلًا عميقًا، أكثرَ الرجال اكتشافًا للوقائع،

بل هم الذين عَرَفوا أَن يَرَوا الروابط التي يرتبط بها بعض الوقائع، المعلومةِ سابقًا، في

بعض.

وإذ إن على النظريات كلِّها أن تستند إلى وقائع - أي إلى نُبَذٍ من الأشياء - وإذ

إن الوقائع تظلُّ ناقصةً، دَوْمًا، اشتملت كلُّ نظرية على أجزاءٍ افتراضية بحكم الضرورة،

وتُشابه النظريةُ في ذلك رَسْمَ علماء الآثار للمباني القديمة، فبجانب العلامات الصحيحة

توجد علائمُ مشكوكٌ فيها على الدوام.

ويدلُّ تاريخ العلم على درجة خِصْب النظريات العلمية العظيمة مع ما فيها من

أقسام مشكوك فيها، وهذه الأقسامُ، على ما فيها من مواطنِ الرِّيَب، قد تكون كثيرة

الفائدة بما توجبه من تحقيق، ومن ذلك أن مبادئ دَارْوين فَرْضِيَّةٌ إلى الغاية، ومع ذلك

لا تَجِد مثلَها غيرَ مبادئَ قليلةٍ أثَّرت تأثيرًا أساسيٍّا في أفكار الجيل العلمية فأدت إلى

مباحثَ كثيرةٍ، فهي قد أسفرت عن إدخال فِكْرَة الاتصال إلى العلوم الطبيعية، فَدَلَّت على

إمكان إيضاح ما لم يُرَ وَجْهٌ لإيضاحه علميٍّا فيما مضى، فغدا من المستطاع تركيبُ ما

لم يظهر إمكانُ وَصْلِه سابقًا، أَجَلْ، إنه لم يُثْبَت تَحَوُّلُ الموجودات بالانتخاب، وإن من

الممكن جدٍّا أن تكون صفات الأنواع قد اكْتُسِبَت بغير التَّكَتُّلات الصغيرة الوِراثية، بَيْدَ أنه

لا كبيرَ أهمية لذلك، فالعالَم الذي أثاره دَارْوِينُ ظَلَّ مُثَارًا، وبَقِيَ إمكان التحول بالوسائل

الطبيعية أمرًا سائدًا، وتلاشت نظريةُ الخَلْق المتتابع إلى الأبد وتَطَوَّرَ تفكير العلماء تطورًا

عميقًا.

وقُلْ مثلَ ذلك عن مُعْظَم النظريات الكبيرة، ومنها نظرياتُ پاسْتُورَ التي غَيَّرَت

العِلْمَ تغييرَ نظرياتِ دَارْوِينَ له، فجَدَّدَت صِناعاتٍ مهمةً، وكَوَّنَت الطبَّ الحديث وكَشَفَت

عن عالَم مجهولٍ، ومع هذا زال أهمُّ ما كان لهذا العَلَّامة من الآراء الابتدائية.

ولا يجوزُ، إذَنْ، أن نَحْكُم في أمر النظريات من خِلال جزءِ الحقيقة التي تشتمل

عليه، بل يجب أن نَحْكم في النظريات من حيث ما تُؤدِّي إليه من المباحث على الخصوص،

والنظريَاتُ يمكن أن تُعَدَّ وسائلَ اكتشافاتٍ لا نظير لتأثيرها، حتى عند النظر إلى فائدتها

العملية الصِّرْفَة، فهي تُوَجِّه مباحثَ ألوف الباحثين، والنظرياتُ لو أقُصِيَت ما كان هنالك

عِلْمٌ ولا اكتشافاتٌ ممكنة فمن الإصابة قولُ إميل پِيكار: «إن الأفكار النظرية تَبْدُو بالتدريج

بِذْرَةً خصيبة يَخْرُج منها مُعْظم المُبْتَكرات.»

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت