وجميعُ نظرياتنا العلمية مُعَدَّةُ للتَّغَيُّر لا ريب، وإبداءُ مثل هذا القول يَعْنِي أن العلم
سيتقدم أيضًا، والنظرياتُ لا تتغير لأنها فاسدة، بل لأن اكتسابَ أمورٍ جديدة يَحْمل
النظرياتِ على ملاءَمة هذه الأمور، والنظرياتُ تكون صحيحة في الوقت الذي تُبْدَى فيه،
لإيضاحها الأمورَ المعروفة في حينها، وبالنظريات تُكْتَشف أمور أخرى، والنظريةُ التي
توجب أمورًا جديدة تتحول بهذه الأمور فيما بعد.
إذَنْ، إن شأن النظريات العامة في العلم عظيم، والباحثُ الذي ليس لديه من
النظريات ما يَتَّخِذه دليلًا يَظَلُّ، على الدوام، عاملًا بسيطًا منتظرًا إلهاماتِه من المصادفة
الخالصة أو من توجيهِ أستاذٍ له.
وبجانب ما للنظريات الكبرى من فائدةٍ بادية نَجِدُ محاذيرَ لها، فلا تَلْبَث النظريات
عند ذوي النفوس البسيطة أن تتحول إلى عقائدَ فيَدْخُل هؤلاء بذلك دائرةَ المعتقدات،
والمعتقدُ العلميُّ يغدو عندهم كالمعتقد الدينيِّ الذي يُسَلَّم به من غير أن يُجَادَل فيه،
وكان لِغَائيَّةِ أرسطو وخِلْقَاتِ كُوفيه المتتابعة وانتخابِ دَارْوين وما إلى ذلك من النظريات
الكثيرة التي ظهرت وزالت في غضُون القرون قوةُ اليقين الدينيِّ في إبَّان سلطانها، فما
كان لأحدٍ أن يُنَقِّب عن أسُسها.