فهرس الكتاب
تَبْدو الحوادث الفِيزْياوِيَّة من البساطة الظاهرة ما تُخْفِي معه تَعَقُّدَها، ويبدو تَعَقُّد
الحوادث الحيوية من الوضوح ما لا يُفَكَّر معه الآن في تفسيرها بفرضياتٍ بسيطة،
ويكفي لتسويغ هذه الاستحالة ما نذكره من أكثر هذه الحوادث أهميةً.
تقوم صُغْرَى خَلِيَّات ذوات الحياة المترجحة بين الجُرْثُومَة والإنسان بأعمالٍ أرقى
من الأعمال التي تُتِمُّ في معاملنا ومختبراتنا، وذلك بفعل ما نَجْهَله من القُوَى.
وفي الموجودات التي هي على شيء من التقدم يُدَارُ عملُ الخَلِيَّات بمراكزَ عصبيةٍ
تَسِير كما لو كانت قادرة على التفكير الحكيم، ومن المستحيل أن يُعَدَّ هذا التفكير من
الأجهزة العُمْيِ، ما دام العمل الذي تَحْمِل المراكزُ العَصَبِيَّةُ الخَلِيَّاتِ على إنجازه يختلف
في كلِّ ثانية باختلاف ما يُسْعَى إليه من الأهداف وما يقاتَلُ من الأعداء.
ومما هو غيرُ مفَسَّرٍ القُوَى التي كَوَّنَت الأعضاء في الماضي فحُفِظَت هذه الأعضاءُ
بالوراثة، ويقول علماء الطبيعة إن العضوَ وليدُ الاحتياج، ولكنهم هل أنعموا النظر
كثيرًا فيما ينطوي عليه هذا الزَّعْم من قُوَّة الإبداع؟ إننا نُدْرِك أن فَرْوَ الحيوان يَكِثُّ في
البلاد الباردة وأن جَناح الطائر يَنْمو بالاستعمال، ولكن كيف أَوْجَدَ الاحتياجُ عُضْوَ سمكِ
الجِمْنوتِ الكَهْرَبِيِّ أو عَيْنَ سمكِ القُعورِ الفُوسْفورِيِّ؟ فما أكثر المُعْضِلاتِ الفِيزْياوِيَّةَ
والكيماوية التي تَتَطلَّب حلٍّا لإحداث مثل تلك الأعضاء! وإذا كان الاحتياج قادرًا على مثل
ذلك التكوين فإنه يتألف منه آلهةٌ ذاتُ قدرةٍ تَقْضِي بالعجب.
ومما يُفَسَّر به ذلك هو ما يتراكم بالوِراثة من الاكتسابات، ولكن هذا لا يؤدي إلى غير
تأجيل المُعْضِلَة، فبأَيَّة وسيلةٍ يَحْدُث كلُّ واحدٍ من هذه الاكتسابات الصغيرة المتعاقبة؟
يَتَكَلَّم كثير من علماء الطبيعة الأقدمين والمعاصرين عن أهداف الطبيعة، ومع ذلك
يلوح من المشكوك فيه أن تكون الطبيعة قد سارت وراءَ أيِّ هدف، أَفَيُفْتَرَض لها أيُّ
هدف، وهي التي تَزِيد جراثيمَ جميع الأمراض بلا نَصَب؟ نَعْلَم أن مِيكْرُوب السِّلِّ الدَّرَنِيِّ
الهائلَ، الذي أحدث في الإنسانية من التخريب ما يَعْدِل التخريب الذي أحدثته الحروب
مجتمعةً، وُفِّقَ للنموِّ في غِلافٍ مُشَمَّعٍ حافظٍ له تِجاه سوائل الأعضاء، أَفَيُفْترض أن
الطبيعة جَهَّزَته بهذا السلاح ليُهْلِك به النوعَ البشريَّ؟ ولا يُفْترَض أكثرُ من ذلك بأن
يقال إن الخلايا المُزْدَرِدَة (الفاغُوسِيتا) قد خُلِقَت لمكافحة الِميكْروب، فالواقعُ في مثل هذه
الأحوال أن الحوادث تَخْضَع لِسُنَنٍ عامَّة وتسيرُ بانتظام أعمى، فالطبيعة لا تُفَكِّر في
مساعدتنا ولا في الإضرار بنا كما أن الآجُرَّة لا تَهْدِف إلى شَجِّ رءوسنا إذا ما سَقَطَت
عليها.
وتدلُّ دِراسة الحياة الغريزية على حوادثَ لا تُفَسَّر، مُشابِهَةً في ذلك حوادثَ الحياة
العضوية، فالحيوان يقوم بأعمال تُثِير حَيْرَة علماء الطبيعة فلا يُفَسِّرها هؤلاء العلماء
على العموم.
ويلوح أن جميع هذه الأعمال، الخاصةِ بالحياة العُضْويَّة والحياة الغريزية، تتضمن
معرفةَ هَدَفٍ بعيد، فهل مثلُ هذه المعرفة موجودٌ حقٍّا؟
لا يجوز رَدُّ هذا الافتراض، ولكنه يجب أَلَّا يُرَى في تلك المعرفة وجهُ صِلَةٍ بمبادئ
ذكائنا، ومن المحتمل أن أصاب مسيو بِرغْسُن في قوله إن ذُباب الفَرَس الذي يَخْزُن
بَيْضَه على قوائم هذا الحيوان يَعْرِف، كما يلوح، أن الفَرَس إذا ما لَحِسَ نَفْسَه نَقَلَ الدُّودَ
الناشئةَ إلى أنُبُوبه الهَضْمِيِّ حيث تستطيع أن تَنْمُوَ، ولكنه كيف يَعْرِف ذلك! وكيف
يَعْرِف بعضُ الحشرات أن لَسْعَ دودَةِ الفَرَاشَةِ في مكان مُعَيَّن منها يُبْطِل حركتَها من
غير قتلها فتنتظر، غير مُنْحَلَّةٍ، زمنَ مجيء الدودة التي هي في دَوْر التكوين فتَفْترِسها؟
ولا يَعْدُو حَدَّ الإيضاح الكلاميِّ أن يُحَدَّث عن الوِجدان والعاطفة العَرَّافَة ... إلخ،
إيضاحًا لمثل تلك الحوادث، فأمام تلك الحوادث يَجِب أن يُقْتَصر على القول بأن الخلايا
والمراكز العصبية في الموجودات ذاتُ وسائلَ للمعرفة غيرِ التي نَتَصَرَّف فيها.
ومن المُرَجَّح أن تكون طُرُق المعرفة تلك ملائمةً لطُرُزٍ خَاصَّة من الإحساس،