فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 132

قال هنري پُوَانْكَارِه: «إن الحقيقة، المستقلةَ تمامًا عن النفس التي تتصورها

وتُبْصِرُها وتُحِسُّها، أمرٌ مُحال، والعالَم لو كان خارجًا عن النفس، والعالَم لو كان

موجودًا حقٍّا، لظلَّ مُمْتَنِعًا علينا ... والحقيقةُ المحسوسة الوحيدة هي علاقات الأشياء،

ولا يمكن تَمَثُّلُ هذه الأشياء خارجةً عن النفس التي تتخيلها أو التي تَشْعُر بها ... وكل

ما ليس فكرًا هو عدمٌ مَحْضٌ، فالقولُ بوجود شيءٍ غيرِ الفكر هو تَوْكيد لا معنى له.»

وتلك المزاعم تصبح بَدِيهيَّةً عندما يُفَكَّرُ فيها، وهي التي صاغها الفلاسفة في جميع

الأجيال، ومن قول پرُوتَاغُورَاس منذ ألفيْ سنة أَنْ لا حقيقةَ خارجة عنا، ومن قول:

«غُورْجِيَاس إن الحقيقة المطلقة لو كانت موجودةً لأمكنت معرفتُها، والحقيقةُ لو أمكنت

معرفتُها لتعذر وصفها.»

وتَعَذُّرُ تَفَهُّمِ الكَوْن الحقيقيِّ هذا لم يُجَادِلْ فيه العلماء المعاصرون ولا قدماءُ

الفلاسفة، وهم يَعْلمون أن كيفية الحوادث إذا أمكن الوصولُ إليها ظَلَّتْ سَبَبِيَّتُها

مجهولةً فيعترفون بعجزهم عن اكتشاف أصول الأشياء، وإليك كيف يُعَبِّر عما في نفسه أشهرُ

علماء الفيزياء بأوروبة اللورد كِيلفن، وذلك في عيده الخمسيني: «لم تُتَوَّج مباحثي المتتابعة

التي دامت خمسين سنة بأيِّ نجاح، فاليومَ لا أَعْرِف شيئًا عن الكهرباء والمَغْنَطَةِ والمطابقة الكيماوية

التي لم أكن أعْلم منها شيئًا عندما ألقيتُ درسي الأول على تلاميذي.»

وحديثًا ألقى العالِمُ الفِيزْياوِيُّ الإنكليزيُّ الِمفْضال ج. ج. تُومْسُن خُطْبَةً أمام جمعية مهندسي الكهرباء

فأجاب، غيرَ صابرٍ، عن الأسئلة التي طُرِحَت عليه بقوله: «لو كنتُ قادرًا على الإجابة عن أسئلتكم

لكنتُ قريبًا من حلِّ مسائل الكَوْن ... فلا أعْرِف ما هي المادة ولا أَعْرِف أصلَ الكهربة بأحسنَ من ذلك.»

وعلى ما نراه من اعتراف العلماء المُتَبَحِّرين بعجزهم عن بيان السبب في سقوط

الحجر وفي أن قضيبَ الصَّمْغ يُحْدِث كهرباء إذا ما دُلِك فإن مما يثير الدَّهَشَ أن نرى

الفلاسفة يزعمون إيضاحَهم مُطَوَّلًا لمُعْضِلاتِ الروح والحياة والشعور ... إلخ، الأكثرِ

تعقيدًا.

وذلك البحث الموجَز في حدود معرفتنا للعالَم الفيزياويِّ وفي استحالة النفوذ في

طبيعة الأشياء الصميمية يدعو إلى افتراضنا وجودَ عناصر َيمكن أن يُدْرِكها أربابُ ذكاءٍ

حائزون لطُرُزِ بحث مجهولة لدينا، ويَرَى الفلاسفة اللَّاعَقْلِيُّون المعاصرون أن الوِجدان

يمكنه أن يكون من ذلك الطِّراز، غير أن هذه الصِّفَةَ هي من قِلَّة النَّفْع في عِدَّة قرون ما

يَصْعُب معه أن نَأْمُل منها إلهاماتٍ جديدةً، فالوِجدانُ لم يَصْنَع سوى خَلْق آلهة لا يُسَلَّم

اليوم بعزائمها كوسيلةِ إيضاحٍ للحوادث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت