يشتمل بيانُنا السابق الوجيز على خلاصةِ ما نَعْرِفُه عن صَرْح حقائقنا العلمية والمناهج
التي يُشَادُ بها، ولا يكاد هذا الصَرْح يُرْسَم في الوقت الحاضر مع أنه كان يُظَنُّ بناؤُه
إلى الأبد؛ وذلك لأن علمنا غدا أبعدَ غوْرًا وأكثرَ ضبْطًا، ويبدو حرص ذلك الصَّرْح اليوم
أصغرَ مما كان عليه، فالعالِمُ إذ وَجَد نفسه تِجاه اتِّساعٍ لا يزال مجهولًا تقريبًا عاد لا
يفكِّر في تلك التراكيب الكبيرة التي فتَنت الفلاسفةَ في جميع الأجيال.
ونحن، إذ نَعْجِز اليوم عن فهم العالم في مجموعه، نرى أن ندْرُس نُبَذًا منه، ونحن،
قبل أن نكتشف السببَ الأول للحادثة الواحدة، نَرَى أن نَعرِف سلسلةَ أسبابها المتعاقبة،
وهذا الموضوع هو من السَّعَة بحيث يجاوز حدودَ عقلنا، فتاريخُ أيِّ جِرْم، كتاريخ
الحَصَاة مثلًا، يستلزم معرفةً تامَّةً لجميع أسرار الكون.
ومن ذلك لا نَسْتَنْتِج، مع كثير من الفلاسفة، وجودَ أمورٍ لا تُعْرَف، غير أنه يوجد
من الأمور الكثيرة ما يمتنع على معرفتنا، ولو كان للنظريات القائلة بما لا يُعْرَف أيُّ
تأثيرٍ في سَيْر العلم لبَطَل كلُّ تَقَدُّم له، ومما ذكرناه أن أوُغُوسْت كُونْت كان يَعُدُّ تركيب
الكواكب الكيماويَّ، الذي كَشَف عنه التحليلُ الطيفيُّ مؤخرًا، من الأشياء التي لا تُعْرَف،
فيرى من غير المفيد أن يُكْتَرث لها.
وتثبت الاكتشافاتُ الحديثة استحالةَ رَسْمِ حدودٍ للعلم وأن يُحْصَر العلمُ في دائرة
من الحقائق المزعومة المحكوم بضرورتها، فمما يوصَل إليه، على الدوام، هو الاعتراف
بأن هذه الحقائق غير ُضرورية، ثُمَّ بعدم صحتها.
ومهما تكن حدود العلم الراهنة فإن اكتشافاته مَنَحَت الإنسان سيطرةً على الطبيعة
ستساوي، لا ريب، ما عُزِيَ إلى آلهته القديمة، وتَمْنَحه القُوَى العجيبة، التي يستخدمها
العالِمُ العصريُّ، قدرةً أعلى من قدرة الآلهة التي ذُكِرَت في الأساطير القديمة.