فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 132

ظهر من الملاحظات السابقة أن الدِّيانة لا تقوم من غير استعانة بالعناصر الدينية

السابقة، وسنرى ذلك من البحث في تكوين مختلف الدِّيانات التي نشأت منذ قرن،

فتاريخُ هذه الدِّيانات المُوجَزُ يُسَوِّغ المبادئَ المعروضة آنفًا تسويغًا تامٍّا.

وأولُ ما نَدْرُسه في هذا المطلب هو أمرُ الدِّيانات المُشْتَقَّة من الدِّيانات السابقة

كالفِرَق الپروتستانية، ثم نَذْكُر الدِّياناتِ التي تبتعد عنها ابتعادًا خاصٍّا، كالمَرْمُونِيَّة

والروحانية ... إلخ، على الرغم مما فيها من الاقتباسات المهِمَّة.

والفِرَقُ الپروتستانية التي تمتلئ بها أمريكة هي من أحسن الأمثلة على ذلك، لا من

حيث انقسامُ الدِّيانة الواحدة فقط، بل من حيث القوةُ العجيبة التي تتفق للإنسان، في

بعض الأحيان، بفعل الحماسة الدينية أيضًا، فبتلك القوة قامت مُدُنٌ عظيمة في بِقاع

كانت تَسْكُنها قبائلُ وحشيةٌ.

ومن ذلك أن جماعة من الپيُورِيتَان فَرُّوا من الاضطهاد، فأسَّسُوا في سنة 1620،

تلك المستعمرةَ الوضيعة التي انقلبت، ذات يومٍ، إلى جمهورية الولايات المتحدة الهائلة.

وما كان تَشَدُّد أولئك المهاجرين في عدم التسامح أقلَّ عَوْنًا لهم من إيمانهم الحارِّ

في نَيْل المقصد، فهم إذ حَظَروا، لعدم تسامحهم، دخولَ من ليس من مذهبهم في أرضهم

حَفِظوا وَحْدَةَ العمل بينهم.

ومن الواضح أن الحماسة الدينية عنصرٌ قويٌّ في العمل، ولكنها ليست بكافية،

فالإيمانُ، وإن كان يُنْمِي خصائلَ الإنسان، لا يُحْدِثها، وآيةُ ذلك وجودُ أممٍ ذاتِ معتقداتٍ

حادَّة لم تُقِمْ شيئًا دائمًا في بِقَاع مماثلة.

حقٍّا لقد جلب أولئك الغُزَاة الپروتستانُ معهم فضائلَ عِرْقِهم، وهي قوةُ المبادرة

الشخصية وحبُّ العمل والثبات القويُّ والنظام الباطنيُّ المتين، وذلك فضلًا عن الإيمان.

وكان أمر أولئك الرجال المتحمسين، كما يَحْدُث في مثل تلك الحال على الدوام، هو

أن يجعلوا الدينَ، بوجهٍ لا شعوريٍّ، ملائمًا للاحتياجات الراهنة، فعلى ما كان من وَضْع

دستورهم السياسيِّ في السنوات الأولى بما يلائم نصوص الكتاب المُقَدَّس تَجِده مُشْبَعًا

من مبدأ الحكم الذاتي، حتى إن روح الاستقلال تَجَلَّتْ في نظام الكنيسة التي لا تُدِيرها

أية سلطة عالية، فكانت تتألف من مجموعة عباداتٍ ذاتية مستقلةٍ لم تَلْبَثْ أن تَحَوَّلَت

إلى فِرَقٍ مختلفة مع التسامح التام.

وانتحل المهاجرون الأولون مذهبَ كال?ين في القضاء والقدر، وهو القائل إن أمر

الناس بُتَّ فيه قَبْلَ وِلَادَتهم فتَقَرَّرَ كونُهم من أصحاب الجنة أو من أصحاب النار بحسب

مشيئة الخالق، بَيْدَ أن هذه الجَبرِيَّة الجائرةَ المؤذية لمشاعر الإنصاف أوجبت رَدَّ فعلٍ

فَرُفِضَتْ عقيدةُ القضاء والقدر، تقريبًا، منذ الجيل الثالث، على أنه رُجِّح عدمُ الجَزْم في

المسائل التي لم يَقْطَع الكتاب المقدس فيها كالعذاب الأبديِّ وألوهية يسوعَ والتثليث.

وتَزِيد الفِرَق الپروتستانية على الدوام فتشتمل اليوم على معتقدات متنوعة لم

يحتفظ الكثيرُ منها بغير الاسم من النصرانية، ويَعُدُّ جميعُ تلك الفِرَق طبيعةَ الإيمان غيرَ

ذاتِ أهميةٍ مع ذلك، وذلك مع القول بأن من الضروري أن يكون الإنسان ذا إيمانٍ حتى

يَسِيرَ، ولا مَعْدِل لعلم النفس الحديث عن الموافقة على صحة هذا المبدأ.

ومن بين الفِرَق الجديدة التي قد تَتَّصِل بالنصرانية بعضَ الصِّلَة تحتلُّ الفرقةُ

المعروفة بالعِلْم النصرانيِّ مكانًا خاصٍّا، لا لِما اتَّفَقَ لها من نجاح باهر فقط، بل لِما كان

من المعارف الثمينة التي حَبَتْ علمَ النفس بها على الخصوص، ومن الحقِّ أن استوقفتْ

نظرَ فريقٍ من الفلاسفة ولا سيما وِيلْيَم جِيمْس.

وبين أتباعِ تلك الفرقة - الذين يزيد عددهم على مليون نفس - تُبْصِر طائفةً من

الأساتذة والكُتَّابِ والمتفننين، ويُبَاع من كتابها المقدس خمسُمائة ألف نسخة، وتحتوي

مدارسُها أربعةَ آلاف طالب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت